=========================================
((الفِراقُ))
تَركَتْ اِبتسامتَها ، عندَ تُخومِ الوَطنِ ، تَوضَّأَتْ بطُهرِ الكآبةِ ، ملأَتْ حقائبَها ، بخَميرةِ الوَداعِ ، تقِفُ على أسوارِ البَحرِ ، كحاطبِ ليلٍ ، اِستجارَ من الرَّمضاءِ ، بالظَّلامِ ...
كلَّ يومٍ ، عندَ حدودِ الشَّفقِ ، يَلهثُ الخوفُ ، والحَنينُ ، رُوحُها هناكَ ، بينَ وَطنٍ ، وحَبيبٍ ...
وفي سُدةِ الليلِ ، بعينينِ مُتخمتينِ بالخريفِ ، جائعتينِ لرَبيعٍ ، تَتعلَّقُ بأجنِحةِ الانتظارِ ...
تُسافرُ بينَ سَراديبِ الذَّاكرةِ ، الفَجرُ ممتلئٌ بالفَجيعةِ ...
مواسِمُ الشِّتاء ، تَدقُّ طُبولَ الفِراقِ ، بجَلجَلةِ الرَّعدِ ...
سَنابكُ خَيلِ اللِقاءِ ، تارةً على أرصِفةِ الرَّجاءِ ، وتارةً على أعتابِ العَزاءِ ...
وَترُ الحياةِ ، يَعزِفُ الاحتِضارَ ، وصَداهُ يتردَّدُ في غاباتِ الاغترابِ ، تحتَ شَمسِ السَّرابِ ، والقَمرُ آفلٌ ، خَلفَ السَّحابِ ...
البَرقُ يشطُرُ قلبَها ، بينَ وَجعٍ ، وفَزعٍ ، بينَ فِراقٍ ، واِقترابِ ، والغُيومُ السَّوداءُ ، تسكنُ كلَّ الجهاتِ المُضمَّخةِ بالغيابِ ...
الحياةُ جَرداءُ ، كصَحراءَ يبابٍ ، كانتْ رَتقاً ، فصارتْ فتقاً ، فلا سبيلَ ، سِوى الرَّحيلِ ...
==============================================
النقد المقدم من الكاتب الرائع المتميز الأستاذ / المصطفى الصغوسي
-------------------------------------------------------------------------------------
1- ((الفِراقُ))
تقديم:
الخاطرة جنس أدبي متميز له حضوره في الساحة الأدبية، وذلك لكرنه يمنح الكاتب إمكانيات واسعة للتعبير عن رؤاه وتصوراته للقضايا التي تعتمل في دواخله الخاصة وفي مجتمعه وعصره.كما أن تميز الخاطرة تأتي من كونها تقع على تخوم أجناس أدبية عدة، تتقاطع معها إما من حيث المضمون أو من حيث أسلوب التعبير، إلا أن التقاطع هنا لا يعني بالضرورة التماهي التام، فالخاطرة في النهاية، ليست هي القصة القصيرة، ليست هي القصيدة النثرية، وليست هي المقالة، إنها ببساطة، جنس خاص له قواعده وأصوله.
التحليل: بالنسبة للخاطرة قيد التحليل، فقد اختار لها صاحبها عنوان" اللقاء"، وقد جاء جملة إسمية حذِف منها المبتدأ: تقديره هو/ أو هذا، وبقي الخبر" اللقاء"، ونحن نعرف أن من دلالات الجملة الإسمية: الإستقرار والقرار، لكن الحمولة المعنوية لكلمة القرار والحقل المعجمي الذي تنتمي إليه، يحيل على خلاف ذلك، فاللقاء هو حركة في المكان نتم بين طرفين على الأقل أو أطراف كان بينهما/ بينهم، فاصل مكاني وتباعد زمني، وتم محوهما إما بشكل مبرمج: لقاء متفق عليه، أو عفوي: رب صدفة لقاء خير من ألف ميعاد، كما يقال.
وللعنوان، والذي أرى أن الكاتب قد نجح في اختياره، اهتمام لا يخفى في النقد الحديث، حيث اعتبره مثلا "جيراو جينيت" في كتابه Seuils، من أهم عتبات النص لكونه ينهض بوظائف عدة تسْهِمُ في التواصل مع النص وفك شيفراته: فللعنوان وظائف التلخيص والتشويق والتسمية والتسويق، وقد ساعدنا العنوان: اللقاء
، كثيرا في الإقتراب من دلالات النص وباشر معنا التواصل المشوق عندما جعلنا نسأل: اللقاء، بين من؟ متى؟ كيف؟ أين؟ لماذا؟ ولماذا أيضاً مان الفراق، لأنه منطقيا لا وجود للقاء دون فراق؟.. وغيرها من الأسئلة التي ننتظر حتما إجابات لها من خلال النص/ الخاطرة.
على مستوى اللغة، جاءت خاطرة الكاتب معروف بركات، غنية بشاعريتها وأساليبها الفنية والبيانية، لغة حالمة تبشر بطقس اللقاء بين عاشقين أو حبيبين شطتْ بهما غربة النوى فأصبحا يتناجيان وراء المسافات والحدود: تركت ابتسامتها عند تخوم الوطن .. ملأت حقائبها، إنها ذات/ روح/ عاشقة/ عائدة.. تتشوق للقاء طال انتظاره . وقد تفوق الكاتب في رسم الأحاسيس والمشاعرة المضطربة المتأرجحة لهذه الذات من خلال معجم ينشطر بدوره بين حقلين دلالين متقابلين : الفرح والحزن( ابتسامة،الكآبة، الشفق،الرمضاء،الخوف ،الرجاء، اللقاء، الفراق، اقتراب، الرتق ، الفتق..)وهذا المعجم وهذه التقابلات الدلالية قد وُظِّفتْ بمهارة في تسليط الضوء على نفسية هذه الذات المتشظية الموزَّعة بين الحدود. مثل نبتةٍ أصيلةٍ اجتُتّتْ من تربتها وجذورها وأُلقيَتْ بعيداً.
وقد توفق الكاتب في نقل عدوى هذا الإحساس المضني إلينا نحن القراء، واستطاع أن يمسك بناصية اهتمامنا نحو نهاية الخاطرة، ثم خلخل أفق انتظارنا بكلمة تعتبر مفتاحا رئيساً لهذه الخاطرة: كلمة الرحيل، فجعلنا نعيد قراءاتنا مراتٍ لعلنا نجد لهذه الذات قرارا تقر إليه: لقاء أو رحيل؟ رتق أو فتق؟ ..
إن الكاتب معروف بركات وهو يكتب هذه الخاطرة، كان ابنا شرعيا لواقعه ومجريات عصره، ولاغرابة إذن، إن وجدنا تصاديا لهذه المجريات في وعي الخاطرة أو لا وعيها الأدبي: ف"تيمة " الهجرة والتهجير، والإبتعاد القسري عن الأوطان التى تميز مجتمعاتنا العربية إثر ما أصبع معروفاً في التداولات السياسية والأدبية ب" الربيع العربي"، حيث تولدت لنا موجاتٌ من المهاجرين واللاجئين والمبعدين والنازحين.. وكلها تنزف حنيناً نحو وطنٍ دامٍ، أو ابن أو زوج أو جار وصديق.. قريب من القلب بعيد عن العين تتوق النفس للقائه ! فهل هناك متسع من الجهد والصبر والعمر للملاقاة..وهل سيعود الحضْن إلى الحضن يوماً؟ أتراه قريباً كحلم العاشق، أو بعيداً مثل صبْحِ المصدور؟! لعله بين ذا وذاك على مرمى رحيل وشيكٍ.
بالنسبة لمعمارية الخاطرة وبنائها الفني : جاءت وسطاً، دون ايجاز مُخلّ أو طول ممِلّ، كما جاء انسياب أفكارها ورسم أحاسيس صاحبها مسايرا للإيقاع الطبيعي للحياة، صحيح أن صاحبها لم يكشف عن ذلك مباشرة،بل من خلال تقنية توظيف الفصول ودلالااتها : خريفٌ مُتخِم، جوع للربيع ، طبول الشتاء،حياة الصيف الجرداءكصحراء.
في إطار ربط هذه المعطيات بالواقع الذي أفرزها، نطمئن إلى التنزيل التالي: بعد معاناة طويلة للذات في خريف عربي كئيب، ستحلم حلما شرعياً بربيع طال انتظاره،تنمو معه أجنحة الأمل، لكن عوضا عن ذلك، يأتي شتاء له طبول/ طبول حرب تمطر خراباً وقصفاً ودماراً وتنشر الفجيعة المُمَهدَةَ لجذب وقيظ يأتي على الأخضر الباقي من الأحلام والمتمنيات..
وعموما استطاعت خاطرة معروف بركات أن تعبر عن خلجات الذات العربية الراهنة المتمزقة بين حلم بالتغييرأجهض في مهده، وواقع يرخي سدولاً حالكة من الشك وعدم الثقة في الحاضر أو في المستقبل القريب ، بشكلٍ أخوفُ ما نخاف معه أنْ توصد كل الحلول ليصبح الرحيل الحيار الأخير!
من النقط الباهتة في الخاطرة، وهي قليلة جدا نظرا لتمكن الكاتب من حرفته وانسيابية لغته ورقيها الشاعري، نشير إلى بعض المبالغة في رسم الصور الذهنية من خلال تصاقبات غير مستقيمة أو تنضيدات أفقدت بعض المقاطع توازنها الدلالي، مثل: الوضوء بطهر الكآبة!، خميرة الوداع!.
في الختام أحيي الكاتب معروف بركات على هذا النص المغري بالقراءات المتعددة، وأنا على يقين أنني كلما أعدت القراءة، وحتما سأعيدها، سيطالعني معنى جديدٌ.
كما أشكر مبادرتكم الطيبة وسهركم على رقي الإبداع والحرف النبيل


المصطفى الصغوسي شكرا لتقديركم وحبكم للحرف البهي
ردحذفنص بأبعاد جميلة من الايحاء
ردحذف