الأربعاء، 8 يونيو 2016

قصيدة (وطني الجريح ) للشاعر سليمان عباس / سوريا .....دراسة نقدية : بقلم الأستاذة أسمهان الفالح / تونس



الديوان ملتقى الأدباء ( مسابقة ملك النقد )
=======================
دراسة نقدية : بقلم الأستاذة أسمهان الفالح / تونس
(وطني الجريح ) للشاعر سليمان عباس / سوريا
--------------------------------------------
المواءمة بين الشّكل العامّ للقصيدة العموديّة و البنية الإيقاعيّة للقصيدة الحديثة في نصّ "وطني الجريح"/ بقلم أسمهان الفالح
------------------------------------
النصّ:
___
شعر الفصحى
-------------
وطني الجريح
-------------
نصيبي من حياتي أن أغالبْ
٠٠٠٠٠٠مشاكل مفعماتٍ بالمتاعبْ
أرانب إن يدي امتلأتْ ولكنْ
٠٠٠٠٠٠ذئابٌ إنْ أصابتني المصائبْ
وإنَّ أعزَّ خلِّ باتَ أعدى
٠٠٠٠٠٠٠٠عدوِّي إذْ أسغتُ له المشاربْ
رماني إذْ غدا مالي لديه
٠٠٠٠٠٠بسهمٍ في صميمِ القلب صائبْ
لِما عانيتُ من بغيٍ وغدرٍ
٠٠٠٠٠٠٠٠ألوذ بآخرين من الصواحبْ
دجاجاتٍ حماماتٍ شياهٍ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠عنيزاتٍ وكلبٍ لا يواربْ
وعصفورٍ يصبِّحني بشدوٍ
٠٠٠٠٠٠أحيِّي فيه شاعريَ المواظبْ
لكلبي ألفُ تعبيرِ امتنانٍ
٠٠٠٠٠٠٠وخلِّي ألفُ نابٍ فيَّ ناشبْ
أيا وطني الجريحَ تئنُّ ثكلى
٠٠٠٠٠٠مشارقه فتنتحبُ المغاربْ
تمزقه أناملُ ناهباتٌ
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠تكبِّله المراتبُ والمناصبْ
فأصبحنا نعيش بلا شعورٍ
٠٠٠٠٠٠٠كما تحيا البهائمُ بالزرائبْ
عبيدَ سخافةٍ تجَّارَ حقدٍ
٠٠٠٠٠٠٠ولا شأن لأصحاب المواهبْ
ويلهث خلفَ ذي جاهٍ فقير
٠٠٠٠٠ويصطنع التبسُّمَ وهو غاضبْ
ولم يعدِ النضالُ سوى غلافٍ
٠٠٠٠٠تبطِّنُه المصالحُ والمكاسبْ
بحارُ النفط ،ريعكِ أن يمضي
٠٠٠٠٠إلى أيِّ البنوك له مساربْ؟
إلى أيِّ الجيوب وأيِّ صقعٍ؟
٠٠٠وماذا في القصور من الغرائبْ ؟!
فحسبي من (((أبي ذرٍّ))) إماماً
٠٠٠تعطِّر روحُه رملَ السباسبْ
على طاغوتِ رأسِ المالِ أضرى
٠٠٠٠خضمَّاً طاميَ الجنباتِ صاخبْ
فما وجد النصيرَ ومات فرداً
٠٠٠٠٠٠كما ماتتْ على الخيط العناكبْ
أهلِّل للربيع أطلُّ زهْوَاً
٠٠٠٠٠٠٠٠٠وأسكر للخريف ولستُ شاربْ
وأجعل كل جزءٍ من بلادي
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠عماراتٍ وجناتٍ خوالبْ
وتنهزمُ المسالبُ و المآسي
٠٠٠٠٠٠٠فليسَ يسودُ إلاَّ ما يُناسب
____________________________________
القراءة النّقديّة:
_________
إنّ المتمعّن في قصيدة "وطني الجريح" قد يجد حرجا للوهلة الأولى في تحديد نوع القصيدة إن كانت تنتمي إلى الشّعر الكلاسيكيّ أم إلى الشّعر الحديث من حيث بنيتها الإيقاعيّة. فأنّى له أن يجزم و هو مطمئنّ تماما بهذا أو ذاك ؟ و الحال أنّ النصّ فضاء ينفتح على مختلف الأصوات في آن، فهو صوت الماضي و صوت الحاضر يلتقيان في تواشج فيشكّلان وحدة يعسر الفصل بين أجزائها، هو الثّوب يزدان بوشي تالدٍ طارفٍ في نفس الوقت، فيمتزج اللّونان بشكل يصبح معه اِمّحاء أحدهما اِمّحاء لصورة النصّ ككلّ و سلبا للمعنى.
فكيف تشكّلتْ البنية الإيقاعيّة الدلاليّة في النصّ ؟ و ماهي مظاهر اِغترافها من معين الكلاسيكيّة من جهة و تشبّعها من نبع الحداثة من جهة ثانية ؟ و إلى أيّ حدّ يمكن أن نسلّم بنضج هذه التّجربة الشّعريّة و نجاحها في المواءمة بين الكلاسيكيّة و الحداثة ؟
"الإيقاع عنصر أساسيّ في الفنون كافّة و على أنحاء مختلفة لكنّه في الشّعر يأخذ شكلا منظّما و مهندسا اِستنادا إلى معايير علم العروض و قوانينه فيما اصطلح عليه بالوزن الشّعريّ". و ذلك على حدّ عبارة الدّكتور عبد الرّاضي علي.
ممّا يعني أنّ القدماء قد قصروا الشّعر و موسيقاه على الشّكل الخارجّي لا غير ممّا يوفّره الوزن و القافية. و ليس الاحتجاج لهذا الرّأي أو تفنيده شاغلنا الأساسيّ في هذا السّياق، و لكن جلّ ما يعنينا أن نتعرّف إلى مدى اِلتزام الشّاعر في نصّه بصرامة مستلزمات الوزن و القافية ؟
فالنصّ قيد الدّراسة قد نظم على وتيرة بحر الوافر و تفعيلاته:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن ...في الصّدر و مثلها في العجز.
و قد حرص شاعرنا على أن تكون القافية موحّدة باعتبارها الجزء المكمّل لايقاع البيت الشّعريّ. "فهي الدّفقة التّي تمنحه وظيفة جماليّة بترديدها في آخر الأبيات بوصفها آخر مظهر من مظاهر الايقاع في البيت الشّعريّ إذ يصل الإيقاع إلى مداه فيها بما توفّره من اِنسجام صوتيّ بين حروفها." و من أبرز مظاهر القافية و أوضحها حرف الرويّ (و قصيدتنا بائيّة) و الرويّ هو النّبرة أو النّغمة التّي ينتهي بها البيت، و على الشّاعر الالتزام بتكرارها في سائر الأبيات و يساعد على حبكة القصيدة و تكوين وحدتها." و لا يفوتنا أن نشير إلى اِهتمام الشّاعر بظاهرة ايقاعيّة ضاربة في القدم، قد تحضر في قصيدة و تغيب في أخرى دون أن يؤثّر ذلك على تماسك النصّ و وحدته من هذه النّاحية، لكنّ توظيفها يُحتسبُ للشّاعر كعامل إجادة. و نعني بذلك التّصريع، و يرد عادة في البيت الأوّل من القصيدة، و هو عبارة عن اِنتهاء آخر كلمة في الصّدر و آخر كلمة في العجز بنفس الحرف و الحركة (الباء السّاكنة):
"نصيبي من حياتي أن أغال(بْ).......مشاكل مفعمات بالمتاع(بْ)"
تبيّن ممّا تقدّم أنّ الشّاعر قد اِنخرط في صلب المدوّنة الشعريّة الكلاسيكيّة من خلال اِلتزامه بمختلف مقوّمات الإيقاع الخارجيّ في القصيدة العموديّة باعتبارها أمرا ضروريّا يعوّل عليه النصّ الشّعريّ في متانته و سبكه و حسن إخراجه. فماهي مظاهر الحداثويّة في النصّ على مستوى الإيقاع الدّاخليّ و الصّور الشّعريّة ؟
إنّ أصوات المدّ بمختلف أشكالها تكاد تهيمن على الواقع اللّغوي للخطاب الشّعريّ؛ فأصوات المدّ الطّويلة: (أغالب/ المتاعب/ المراتب/ ذاهبات/ الزّرائب/ تجّار/ النّصال...)
و أصوات المدّ المضمومة: (ألوذ/ عصفور/ شعور/ قصور..)
و أصوات المدّ المكسورة: (يدي/ في/ مالي/ الخريف/ بلادي...)
تنهض جميعها إلى تشكيل خطوط صوتيّة متجانسة تؤلّف المحور الأساسيّ للإيقاع الدّاخلي. هذا فضلا عن شحنتها الدلاليّة العالية، فهي خير ترجمان عن تطوّر نفسيّة الذّات الشّاعرة من الضّيق و الإختناق شبه التّام جرّاء اِصطدامها بالواقع المرير، واقع ضياع الوطن، أفول المجد و العزّة و موت الضّمائر، إلى مرحلة التّماسك النّسبي و لملمة الذّات و رتق النّزف، من خلال الالتحام بالحلم و و معانقة المنشود تطلّعا إلى غد أفضل يسوده السّلام و التّسامح و الاستقرار. كما أنّ التّكرار و التّرجيعات الصوتيّة لها الأثر الجليّ في ذلك.
فتكرار أداة الشّرط (إنْ) في صدر البيت الثّاني من القصيدة و عجزه:
"إن يدي اِمتلأتْ....إنْ أصابتني المصائب"
و تكرار صيغ منتهى الجموع: (دجاجات/ حمامات/ عنيزات/ مشاكل/ متاعب).
و ترديد بعض الأصوات كالسّين و الصّاد و الباء.. تساهم في إطلاق ترجيعات و اِرتدادات صوتيّة متنوّعة في أرجاء النصّ. فهذا "الرّنين السّيني" الزّاحف (سهم/ سخافة/ التبسّم/ سوى/ مسارب/ السباسب/ أسكر/ المسالب/ المآسي...)، و هذا المدّ الصّفيري الصّاعد (تصيبني/ المصائب/ صائب/ الصواحب/ عصفور/ يصبّحني/ المناصب/ المصالح..)
فجّر الإيقاع الدّاخليّ و كسر السّكونيّة "و رسم صورة تتجاوز القالب الإيقاعيّ إلى حركة تسجيليّة لفعل متواصل في ذهن الشّاعر و صورة تتراءى أمام المتلقّي". و هي صورة ذات طابع إشكاليّ لتردّدها بين الثّبات و التحوّل، السّكون و القلق، الهدوء و الثّورة كيف لا و نحن نلمح هذا الغزو الشّرس و الاستيطان القلق لمختلف أنسجة النصّ من خلال حرف الباء الذّي لم يكتفِ بكونه رويّا بل كان حاضرا على اِمتداد الملفوظ الشّعريّ. و الباء حرف صامت و هو من الحروف القلقة التّي تجمع بين الشدّة و الجهر. و هنا تحديدا يكمن" التحوّل في الإيقاع بين القديم و الجديد فبعد أن كان هاجس الشّاعر الوزن و القافية صار هاجسه رجع الصّدى في الأذن". و قد تظافرت الحروف الصّفيريّة و الحروف الشّديدة لتلقي بظلالها على مقاطع القصيدة فتخلق جوّا عامّا من "الانسحاب و الانطفاء و السّلب" دعّمته التّناظرات المزدحمة ذات الصّفة الشخصيّة (نصيبي/ حياتي/ يدي/ عدوّي/ ذئاب/ خلّي. ). و قد ساهمت هذه الظّاهرة في خلق نوع من التّوازي الإيقاعيّ الدّاخليّ الذّي تنتظم فيه دلالات النصّ. و للتّقليص من قتامة المشهد عمد الشّاعر إلى حشد التّوصيف من خلال توظيف أفعال متعدّدة في صيغة المضارع (نعيش/ يصطدم/ أهلّل/ أطلّ أسكر أجعل/ تنهزم/ يسود...)، تتقابل في دلالتها مع ما اِستخدمه سابقا من أفعال في صيغة الماضي، تقابلَ البناء و الهدم، الفناء و الوجود، الموت و البعث. و يتّسع الإيقاع الدّاخلي في النصّ ليشمل النّظام البصريّ من خلال اِعتماد الشّاعر هندسة جديدة في كتابة القصيدة العموديّة مقتبسة ممّا توصّل إليه الشّعر الحديث من إضافات في هذا المستوى. و نعني بذلك ثنائيّة الكتابة و المحو و تعويض السّواد بنقاط متتابعة أو الفصل بين أبيات شعريّة سابقة و أخرى لاحقة من خلال ترك مساحة من البياض بينها و لا يخفى ما لذلك من دلالات، فقد يكون ذلك ناجما عن "توهّج و اِنفعال نفسيّ و حالة من التوتّر تؤرّق الشّاعر أثناء الكتابة إلى حدّ المحو". أو هو موظّف لإتاحة المجال أمام القارئ للمساهمة في إنتاج الدّلالة. ف"فضاء القصيدة بوصفه مساحة مفتوحة يعدّ اِحتفاء يسلك بالقارئ نحو فضاء مفتوح متّسع باتّساع البياض."
هكذا نكون قد وقفنا على بعض الملامح التّي تؤكّد تمرّد الشّاعر على ضوابط القصيدة الكلاسيكيّة في جزء منها، فقد حاول اِستثمار "ايقاع الجملة و علائق الأصوات و نظام الحركة و المعاني و الصّور و طرائق تفاعل العلاقة الدّاخليّة التّي تؤسّس مجتمعة بنية النصّ ذاته".
إلاّ أنّ اِبتكار الجديد لا ينفي القديم باعتباره الأرضيّة الأساسيّة التّي ننطلق منها لنضيف إليها في سبيل تحقيق بنية ايقاعيّة جديدة تنسجم مع التطوّر الحاصل في شكل القصيدة الحديثة.
=====================================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق