أدخلُها بعد منتصفِ اللَّيلِ بقليلٍ،أتلمَّسُ وَجْهَهَا البعيدَ مِنْ وراءِ ستارةٍ بيضاءَ رقيقةٍ كوَّنَتْها الرُّطوبةُ على زُجَاجِ السَّيَّارة. أُعيدُ اكتشافَها للمرَّةِ الألفِ، أتحسَّسُ تقاسيمَها البسيطةَ، شوارعَها الضَّيِّقةَ، انحناءَتِها الحادَّةَ، بيوتَها المتَّكئةَ على بعضِها بعضاً إلى ما لا نهاية.
أَلْعَقُ ما تبقَّى مِنْ طَعْمِ الشَّمْسِ الذي تُعَتِّقُهُ الأرضُ وَيُنْضِجُهُ الماءُ، وأدَّعي أنِّي شبعت..أدْخُلُ تَعزَ أَخْرُجُ منها وأنا أحاولُ ذلكَ أعرفُ أنِّي أحاولُ التَّمَلُّصَ مِنْ تعلُّقي المجنونِ بالتَّفاصيلِ التي لَمْ تَعُدْ، أنْ أُغَيِّبَ البيوتَ التي تركتْ صدى ضحكاتي مُعَلَّقًا على روازنها، أنْ أمحو عَنْ باطنِ كفِّي خشونةَ الجدرانِ المصبوغةِ بالنّورة وآثارَ تَلَمُّسي الأعمى، أنْ أَقْفِلَ بابَ التَّذَكُّرِ في وجوهِ بسطائها الذين عبروا غُبَارَ الوقتِ نَحْوَ مصائرِهم بدون ضجيج.
يتبع..................

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق