كلما أغمضت عيني وجدتني أغوص في بركةٍ من
الدماء، أسرع الى الحمام أغسل وجهي وأفرك يدي مرارا، أدقق في ملامحي بالمرآة،
أراني كمصاصي الدماء، أنيابي أصبحت طويلة وحادة، هناك بقايا لحم يلتصق بها... ذات
المشهد يتكرر.. يلتحف ليلي بغمائمه، ويضيع داخل تفاصيل الوحشة. كان لا بد من
اجتثاث ذاك الوهج الملغم بالظلم، فكرت مليّا في أقوالي أمام المحكمة كي أبررَ
جريمتي.. القاضي ربما يرأف بي.. لا يهمني حكمه، فقط أعلمُ أني سأكون سعيدًا...
يشفع لي عندي أني دافعت عن نفسي وعن حقي في الحياة.. فقد كنت حين أسمع عن البؤس،
أشعر بأني من مخلفاته.. التهميش.. الفقر.. التشرد .. الجهل ... هكذا تمددت أوصالُ
شخصيتي بعدئذ صقلتها زوجة أبي بحكمتها... كانت ماردا يتحرك لتخريبي وأخوتي.. لم
أفكر يوما بالاقتراب منها، فقد كنت أراها كومة نار مشتعلة بالحقد والكراهية.. كم
أمقت ضعفي حين تصرخ بي.. أرتعش كورقة تجابه عاصفة هوجاء.. تشردت وقارنْتُ كلابَ
الشوارع، وجدت فيهم إخلاصا ونبلا لم أجده في بعض البشر.. كنا نتقاسم رائحة وأنفاس
كل شيء، نلتقي على قمامة واحدة، لفترة شعرت أني ما عدت ذاك الإنسان، بل مجرد
مجسَّدٍ لكائن يتمطى على هامش الحياة.. ليلتها لم أنم، درست خطتي جيدا، وضعت سكينا
تحت وسادتي وانتظرت غفوتها، اقتربت منها على مهل وسددت لها الطعنات في كامل جسدها
خاصة مكان القلب.. كنت متأكدا أن هذه المضغة شاغرة إلا من عفن المشاعر.. سالت
دماؤها ولكني ما توقفت.. انتشيت كثيرا.. وددت لو أقطعها كي يستحيلَ تشكيل ملامحها
مرة أخرى.. سأجازي بها ندمائي الكلاب، لتكون وجبةً شهيةً مع أني أربأ بهم أن
يتذوقوا لحمها المسموم... أدقق مُجدَّدا في ملامحي.. ما لهذه المرآة تفضح سكوني ؟؟
.. تحفرُ عمقا في ذاتي وتكشف توتري... سمعت طرقا على باب الحمام ... يا الهي إنها
هي !! ... أظن طيفها أتى لينتقم مني ... يا الهي، هل كان عليَّ أن أقطع الذكرى
أيضا ؟؟ ... رحماك ربي، خذ بيدي لأتعبتني زوجة أبي كما أتعبتني المرآة... تصاعد
الطرق.. أتحفز.. أعقد عزمي .. أضغط على خوفي .. أسحب المزلاج وأطل برأسي بحذر... :
- "انتظرتك طويلا، هل نمت هناك؟".. كانت أمي وهي تفرجُ عن حيرة عدت إلى
مخدعي والذهول يكتنفني .. تذكرت سُؤالَ صديقي وهو يُمازحني: - "ما رأيك -أيها
المُدللُ- لو ماتت أمك، وتزوَّج والدُك بالخالة "زهرة" ؟؟"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق