..
كواحد من سكان هذا الكوكب ينتظر دوره في أن تصله رسالة القدر الجميلة لتبشره بضربة
حظ هنا أو بمفاجأة سارة هناك... بعد كتابتي لكلمات أغنية قديمة كنت أسمعها على
صفحتى بعنوان " كوكب تاني " وبرفضي لما يحدث على ظهر هذا الكوكب وأمنيتي
بالعيش ولو وحيدا في غيره من الكواكب البعيدة والتي حتما ستكون أفضل منه.. وصلني
منها طلب للصداقة.. عندما دخلت صفحتها لفتت نظري الصورة الفاتنة التي وضعت كتاج
يزينها لكنها بكل تأكيد لن تكون صورتها الحقيقية.. قادني الفضول للدخول ومشاهدة
بقية الصور.. ربما تعرفت على جوانب أخرى عنها وعن نوع الإهتمام المشترك الذي
سيجمعنا.. تعجبت عندما لم أجد بقائمتها أي وجود لصديق آخر.. رأيت فقط صورا متنوعة
لفتيات حسناوات كأنهن خلقن في زمان آلهة الإغريق.. وصورا أخرى لبراكين وتغيرات
كونية في الطبيعة.. وفي نهاية الصفحة وجدت صورة باهتة متآكلة الأطراف وضعت لرجل
يرتدي زيا لم أر مثله من قبل.. دققت النظر في تفاصيل وجهه فوجدته قريب الشبه مني
لحد كبير.. تعجبت غير أني لم أهتم كثيرا لذلك وقبلت طلبها خاصة عندما رأيت اسمها
المستعار " الأميرة الخالدة " لا شك أنها من وسط محافظ ولا تريد الكشف
عن شخصيتها الحقيقية لأحد.. شهر كامل مر على صداقتنا وهي تتابع منشوراتي كل يوم
وتضع عليها علامات الإعجاب.. لم أتوقع أن تبدأني بحديث خاص لتعرفني بنفسها.. كتبت
لي رسالة واحدة فقط نصها الآتي.. "أنا اسمي فينوس أميرة كوكب الزهرة الذي
يسكنه الآن النساء فقط.. طال بحثي عنك منذ آلاف السنين.. فأنت الأقرب شبها بحبيبي
الذي رحل في معركة البقاء بين الكواكب في أزمنة التناحر.. لا تخش شيئا بعد اليوم
يا حبيبي.. سآتي بك عندي كما تمنيت أنا وأنت فالكل هنا يحيا بأمان وسلام.. والحب
الذي كنت تبحث عنه ولم تجده على أرضك هو الأنفاس التي ستحييك على كوكبي.. نعم إن
الحرارة هنا مرتفعة جدا ولكنها لا تؤذينا بل تمدنا بالطاقة ودفء المشاعر.. لن
تحتاج لطعام أو شراب هنا ولن تعاني فقرا أو قهرا ولن يؤذيك جهل أو مرض.. العمل
عندي بسيط جدا يستطيعه الجميع ويشعرون معه بالسعادة وساعاته قليلة... أتعلم أني
رفضت هدية ملك كوكب الرجال "المريخ" من أجلك..! وعدني بكل كنوز كوكبه ،
قافلة من المركبات الفضائية محملة كلها باللؤلؤ والياقوت والمرجان.. أولها عندي في
الزهرة وآخرها في المريخ.. لكني أريدك أنت لتكون لي حبيبا طوال العمر.. لن تحتاج
بعد اليوم لتكتب عن السياسة أو الظلم وقهر الشعوب.. ولا أن تجادل المخالفين لك في
الرأي لتقنعهم بوجهة نظرك.. سكتب فقط عن السلام والحب وجمال الطبيعة وعن حبي لك..
عندما تأتي لن تعرف الموت إلا مع نهاية العالم وما هي إلا لحظات كونية قليلة
وسنلتقي من جديد في الجنة.. فكوكبنا لا يفعل الخطايا التي تغضب الرب.. لا تفكر كثيرا
ستكون بخير معي.. ستجد المركبة التي ستقلك إلى عالمي عندك في وقت السحر أمام
نافذتك الواسعة المطلة على البحر.. كن مستعدا.. لا تخبر بذلك أحدا.. ولا تأت بشيء
معك من الأرض." مرسل من كوكب الزهرة. أصابني الذهول بعد قراءة رسالتها لكني
لم أتردد.. فأميرة بتلك القوة والجمال والبحث الطويل عن شبيه حبيبها طوال هذه
السنين حتما لن تؤذيني.. بل ستحقق حلمي في تجربة العيش على كوكب آخر.. وذلك الرجل
في الصورة القديمة يشبهني جدا.. في النهاية ليس عندي ما أخشى عليه من الضياع فوق
هذا الكوكب.. كنت حاضرا في الموعد تماما.. سحبني عمود النور لداخل المركبة التي
انطلقت مبتعدة عن الأرض.. تلك الأرض التي بدأ ضوؤها يخفت تدريجيا لتظهر أمام عيني
كقطعة من الفحم مظلمة غير واضحة المعالم باتت تتصاغر حتى تلاشت.. أهي تلك الأرض
التي كنت أحسبها واسعة وأمضيت عليها عمري المنقضي وعرفت بها الأشياء والبشر.. بدأت
علامات الصبح تظهر ونحن نقترب من الزهرة.. لم أشعر بأي حرارة عالية داخل المركبة..
هبطنا على أرض بيضاء من نور إلهي كأنه هبط للتو من الجنة.. تتلمس قدماي موضع
الهبوط.. تحيط بي النجوم والكواكب التي كنت أراها صغيرة في ليل الأرض.. يا إلهي ما
أقربها وأكبرها ، أكاد ألامسها بيدي.. مع أول قدم وضعتها على سطح الكوكب ظهر لي
موكب مهيب تم إعداده من أجلي تتقدمه عربة الأميرة.. أعمدة المرمر تزين جانبي
الطريق.. خيول من فضة تسير برفقة حسناوات.. لم تظهر علامات التقدم بالسن أو العبوس
على أي وجه رأيته.. أجلستني الأميرة بجوارها في العربة دون أن تنظر إلي وانطلقنا
نحو القصر.. تعجبت من كثرة غرفه واتساعها وأنها بلا سقف ولا أبواب مغلقة.. سألت
وصيفتها عن غرفة الخلود.. أومأت برأسها بإشارة لم أفهمها وتركتنا.. نظرت لي وتبسمت
لأول مرة وقالت.. الآن تصبح خالدا مثلي وتدرك حجم حبي.. وأهدتني قبلة اللقاء
الأول.. شعرت برهبة أن أدخل تلك الغرفة وحدي فأمسكت بيدي واصطحبتني إلى الداخل..
دار بنا المكان برفق عدة دورات وسلطت علينا أضواء لم أر مثلها من قبل.. تركت يدي
وبدأت تتلاشى متحولة لذرات من عطر ملأ عبقه يدي... صرخت بكل قوتي ودمعي
"فينووووس.. فينووووس" أين ذهبت...!!! هرولت خارج الغرفة أبحث عن أحد
وأصرخ حتى جاءت الوصيفة فأخبرتها بالأمر.. أصابتها الدهشة عندما علمت بأن الأميرة
دخلت معي الغرفة.. فهي تعلم أن من أراد الخلود دخلها مرة واحدة فقط.. أما إن مضى
به العمر ثم دخلها ثانية فإنه يموت على الفور... والآن أنت أيها الأمير إن أردت أن
تعود لكوكبك في الأرض فعليك أن تدخل الغرفة مرة أخرى لتعود سيرتك الأولى ولن تصاب
بمكروه.. أنا..!! أنا أعود للأرض بعد أن وهبتني حياتها لأنعم بالخلود.. كيف
أعود..! لمن أعود..! لن أعود.. بل سأبحث عنها من جديد ولو طالت رحلة البحث آلاف
السنين.. حتما ستولد فوق أي كوكب أو في أي غابة كما ولدت أنا.. وحينها فقط..
ستجدني في الإنتظار.. أين غرفة الأميرة لأستريح قليلا..؟ أغفو بعض الوقت وأستيقظ
لأرى بعض من يرتدون الزي الأبيض يمسكون بي ويوبخهم كبيرهم.. يا أغبياء.. لم تأخرتم
عنه اليوم في جلسة الكهرباء.. سيصبح أخطر مجنون في هذا العنبر.. أحمل يدي نحو أنفي
لأعانق عبيرها.. قبل أن أستسلم للجهاز المخيف ثم أغيب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق