انطلقت
الحافلة تلتهم الطريق في ذلك اليوم الماطر، جلست بقرب النافذة أراقب زخات المطر
وهي تتساقط على الزجاج لتتشتت على صفحته في حركة عشوائية تتداخل في تكوينها قوانين
الفيزياء.
غفوت
للحظة بسبب التعب الذي يسببه تنقلي اليومي من وإلى الكلية، مرت دقائق معدودة قبل
أن أنتبه من غفوتي على صوت منبه الحافلة، نظرت إلى الكرسي بجانبي فتجلت أمام
أحداقي بشعرها الأشقر وعينيها الحالمتين، ابتسمت فابتسمت.
-ياه
كم تشبه ليلى!
بدأت
أحدث نفسي سرا وأنا أتذكرها، شريط ذكرياتي يمر أمامي عبر النافذة في تواز مع الخط
الأبيض الذي يرصع وجه الإسفلت تحت العجلات، ينبعث بعض اللغط من الأمام:
-
لم ألمسك عمدا.
يصرخ
صوت ذكوري.
ترد
عليه شابة وقد استشاظت غضبا:
بلى
فعلت، عليك اللعنة أيها الوقح، آش هاذ قلة الأدب؟
نظرت
إلى الشقراء بجانبي مبتسما وكأني أردت للرحلة أن تؤتي ثمارها.
-تشبهين
ليلى إلى حد كبير.
قلتها
وأنا أتطلع إلى خصلات شعرها المنسدل على كتفها.
-صحيح؟!
ومن تكون ليلى هذه؟
سرحت
بتفكيري وأنا ألملم ما تشظى من ذاتي أمام جمالها6 وبدأت أهذي بما تفتقت عنه عبقرية
الصدفة:
ليلى
نسمة ربيعية هبت على سنابل حقلي فلونت حباتها بلون الحلم القرمزي، لها من الثلج
بياضه، ومن الشمس دفء أشعتها، ومن السماء زرقة عينيها، ومن شقائق النعمان حمرة
خديها، ومن القمر تربعه على سماء قلبي.
ليلى
قصيدتي التي لم تكتمل ولم تستقر على بحر من بحور الخليل، ليلى لغة تكلمها قلبي
وحفظ كتابها عن ظهر حب، ليلى قبس من نور انار أيامي الماضية، فلا نور قبلها ولا
نور بعدها.
ليلى
ربما تكون الآن قد تحللت جثتها بظلمة اللحد، وحده القلب مازال ينبض على شاهدة
قبرها، أكاد أجزم أنها ما كفت عن حبي حتى وهي هناك في الضفة الأخرى لليل.
كانت
الشقراء تتابع كلامي بانتباه كبير، وكانت حركات وجهها وانقباضاته تدل على تأثرها
من حديث غريب شاءت الصدف أن تجلس بجانبه في حافلة تعج بالحيوات.
وفي
لحظة وضعت راحة يدها على ظهر يدي وطبطبت عليها بلطف وهي تنظر إلى بعينين
مغرورقتين،ثم قالت:
-كفى
أيها الغريب، لقد أدميت قلبي.
أشحت
بوجهي إلى الجهة الأخرى كي أخبئ دمعة انطلقت راسمة خط البلل على خدي، مسحتها بكم
قميصي ثم التفتت إليها:
-اعذريني
إن أنا أتعبتك بترهاتي.
فردت
علي بابتسامة عريضة نابعة من أعماق استغرابها:
-لا
تقل ذلك أيها الغريب، لقد سرني أن نتبادل أطراف الوجع.
ثم
أردفت قائلة:
-اسمي
فعلا ليلى، يا لغرابة الصدف، ما اسمك أيها الغريب؟
علت
وجهي علامات التعجب من قولها، لوهلة كدت أخبرها باسمي، فتراءى لي طيف ليلاي يقف
حاجزا بيننا، سكتت لبرهة ثم نطقت:
-اسمي
الغريب، سررت لمعرفتك ليلى، هلا سمحت لي بالمرور؟ محطتي هي التالية.
برحت
مكاني، نزلت بعد توقف الحافلة، حملقت بالمكان الذي تجلس به ليلى، لوحت لها بإشارة
من يدي ثم انطلقت إلى عالمي حيث لا ليلى بعد ليلاي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق