"
أمي تعاني " الجملة الأولى التي قذفتها إليّ عندما رأتني
ابنة خالتي زينب حينما أتت لزيارتنا ودعوتنا لإنقاذ حياة أمها التي رفضت السعادة
إسنادها .
زينب
هي ليست بأختٍ لأمي بل هي أمٌّ لمآسي الحياة وزوجةٌ لقسوة الأيام وصديقةٌ لرخامٍ
وغبارٍ وبعثرات منظفات .
أستقبلت
سمر وأجلستها على مقعد أمها التي كانت تأتي لتساعدنا في تنظيفه ؛ فأسرع
سؤالي يقدم إليها ضيافته :
-
كيف هو الحال مع أمك وكيف أصبحت بعد فقدانها لفلذة كبدها الصغير؟؟
فأجابتني
واللآلِئٌ تثور من عينيها :
-
لا أعلم إن كانت تستطيع إكمال جرعتها من الحياة إلى أواخر هذا العام أم لا؛ تمنيت
لو أننا أقمنا حدادنا عليها بعده ، لأن الحياة بهذه الطريقة جحيم لها وعذاب لنا.
إن الدنيا هذه تمتلك سوادً حالكاً بقدر كل حلم وردي كان يزور صغيرنا الشهيد.
-
أخبريني مالذي جعله يشق طريق الموت وهو يعرف أنه مشكوكٌ بشوكٍ سامٍّ معلقمٍ لعين ؟
-
إنه من ضحايا الرجل النرجسي الذي لايعترف ٍبأُبوَّتهِ علينا إلا حين يرتبط أمرنا بالمال
، فقد طرده الوالد المصون خارج البيت قبل أن يبلغ سنه التاسعة فالتجأ حينها إلى
صديق عزيز كانت أمي تعرف والدته ؛ كان يأتي لزيارتنا كلما بزغت شمس الحنين عليه
ولكنه ما يلبث ساعة إلا ويطرده حنان الأب الرخيص ، كان أخي حيّاً يموت حتى
بلوغه التاسعة عشر.
حدثتني
وبراكين عينيها تفور والغلّ من حدقاتها يغلي ويصرخ لن أغور.
وبعد
سكوتٍ يروي حديثاً طويلاً ، إستَطردت
قائلة :
حين
ما ألقت جثة أخي التحية الأخيرة أمامه سأل الحضور " أين التعويض " ! ؛
في حين أن أمي لم تنتظر سوى رائحة ابنها
تعويضاً عن كل تشرد عاشته في سَقمٍ بلا دواء ولا حتى تكلفة غذاء من فردة حذاء
تحتكر كل ذرة أكسجين بلا رثاء ؛ أما أخوتي فكانت أمنيتهم تقبيل جبين أمي في جو
العشق الممنوع المقرر على جدران منزلنا .
ألجمت
آلام سمر شفتاي ولكن حدقاتي فضحت ذهولي الشديد من أبٍ لم يمارس سوى الكُره نحو
نفسه قبل أهله ،من أب ؛ مجرد إسم .
وحينما
رأيت وجه سمر الشاحب هَمهمتُ قائلةً : وماذا بعد؟!
فابتسمت
وقالت :
نحن
لا نختار آباءنا ،ولكن باستطاعتنا اختيار أداة الموت المناسبة لحريتنا ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق