الخميس، 8 أكتوبر 2015

سيرة ذاتية للكاتب الأستاذ عبد السلام إبراهيم ... نقد الكاتب الكبير الأستاذ عبدالله خزعل



سيرة ذاتية ....قصة الكاتب السوري الرائع الأستاذ / عبد السلام إبراهيم
القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة الديوان لشهر سبتمبر والتي نالت أعلى الدرجات من أعضاء لجنة التحكيم معنا اليوم القصة بمنظور مختلف يتناولها بالنقد الكاتب العراقي الكبير الأستاذ عبدالله خزعل
كل الشكر للكاتب الرائع على ما خط قلمه وجزيل الشكر والتقدير للكاتب الكبير الناقد المتميز على هذا النقد الرائع ......
ننتظر ارائكم وتعليقاتكم ونتمنى التوفيق للجميع
==================*******=========
سيرة ذاتية 
=======
توقظني الخادمة كالعادة في الساعة السادسة صباحاً، وقد أعدتْ فنجان الشرفة الصباحي. أصفعُ وجهي ببعض رشقات الماء محاولاً تحطيم جدار الغشاوة من أمام عينيّ، أرتشفُ الفنجان بينما تحتضنني نسمات الصباح محملةً بعبير أزهار حديقتي الواسعة والتي تنتهي إلى ضفة النهر. لا أستغني عن رياضة الصباح، فالركض بين أشجار الغابة، موعد حميمي تشارك فيه كل مسامات جسدي. كل هذا يتمُ حسب جدولٍ زمنيٍ دقيقٍ، أعود لأستحم وأتناول فطوري المعدّ بعنايةٍ فائقةٍ . كأس عصير الفواكه هو كتعويذةٍ صباحيةٍ لصحتي. ربما الآن يتبادرُ إلى أذهانكم سؤالٌ معتادٌ فضولي، أين أفراد أسرتي؟ كرجلٍ حمسيني أُنزِلتْ الأحمال عن كتفي، توفيتْ زوجتي بحادث سيرٍ مؤلم، وتزوجتْ أبنتي إلى بلدٍ عربي مجاور، بينما سافر ولدي الوحيد ليختص بجراحة القلب في أوربا. هكذا كما ترون أنا طائرٌ حرٌ غريد . أعلمُ الآن أن فضولكم تفتق عن سؤالٍ معتادٍ آخر ، ألا توجد امرأة في حياتي؟ ستندهشون ... ! نعم أنا أعيش قصة حب، لا أستطيع الاستغناء عن المرأة المُلهمة في حياتي،وخاصةً إذا كانت امرأة تجعل من حياتي أسطورة . قُبلتُها تُعيدك جنيناً لا يعرف من الحياة إلا رحم أمه. أتعلمون ... أجمل اللحظات عندما تكون إلى جانبي وأنطلق بسيارتي وعلى أنغام الموسيقى نُحلّق ونسافر بلا هدف بلا وقت بلا إشارات مرور. هههه ... بالتأكيد أنتم تنتظرون المزيد عن خصوصياتي أيها الفضوليون، ولكنّني اكتفيت من الكذب ... نعم كذب .... كل ما قلتهُ كذب. منذ كنت في العاشرة من عمري المغموس بالحرمان والفقر المدقع، وأنا أبرعُ بكتابة المواضيع عن تحرير فلسطين والتقدم والحضارة في بلادنا وجمال الربيع وروعة الرياضة، وكانت تنال استحسان الجميع وتستوجب تصفيقاً حاراً من زملائي وبذلك أصبحتُ خطيب المدرسة المفوه رغم شللي وعاهتي. والآن ... ما رأيكم بتاريخي الحافل بالكذب .... ولكن انتظروا لا تبتسموا كثيراً، أنتم أيضاً كاذبون ... !! كلكم كاذبون، وتملكون نفس التاريخ الحافل بالكذب .... فمن يعش مقهوراً، مكبوتاً، مذلولاً، بالتأكيد هو عاجزٌ يحيا حياة كاذبة
===============*******=============
نقد الكاتب الكبير  الأستاذ / عبدالله خزعل
عتبة العنوان مركب من موصوفٍ وصفته وهما خبر لمبتدأ تقديره هذه سيرة ذاتية، وعتبة العنوان تفيد هنا الحكم على شيءٍ معين وخاص ولا تفيد العموم إن كانت بهذا التقدير وإلا لو قدرناها مبتدأ له خبر فإنها تفيد سيرة ذاتية منطبقة على أغلب العناوين التي أرادها القاص ؛ وذلك من خلال ثيمة القصة بشكل عامٍ ورمزيتها التي من الممكن تعميم موضوعها ليشمل كلّ من يودّ سرد مثل هذه السيرة وهم كثر بل يكاد يشمل الأعم الأغلب في اتهام السارد للمجموع بانتهاج نفس سيرته ولكن بعناوين مختلفة.عتبة العنوان فيها من المخاتلة بما يتلاعب بتوقعات القارئ حتى قبل متابعة السرد ، ولكن كون عتبة العنوان لقصة قصيرة فمما لا يمكن أن يكون هو الإخبار المحض لرجل عن سيرته الذاتية وكفى، إذْ يتوقع القارئ من القاص تغليف هذه السيرة بالصور الجمالية والمرور على حادثةٍ ما تكون هي العقدة في القصة وتكون مسار الأحداث إليها ومنها. هذه التوقعات وغيرها تراود مخيلة كلّ قارئ عند سماعه مركب عتبة العنوان والتبادر السابق  إلى الذهن الحاصل من سماعها.الذي حصل أن القاص تمادى في سرد سيرته بشكلٍ عفويٍ جميل وجعل من المحورين الأفقي وأعني به الهيئة التركيبية لألفاظه وعلاقة عناصرها المفردية فيما بينها والمحور العمودي وأعني به لغة الانزياح وتباعده عن المحور اللفظي وتقاربه منه كلّ ذلك يعتمد على شدّة المجاز وقوته وضعفه، جعل المحورين في تسابق جميل وتناظر لطيف وهو يسرد لنا سيرة رجل متنعم البال مرتاح الضمير عاشق الفؤاد صافي الذهن ممتلئ رغبة بالحياة والعنفوان المتجدد من عشقٍ أزهر بقية سنيّه ،صاحب عاداتٍ جميلة ومحببة /ومازال في تعداد هذه المزايا والخصال حتى كدنا أن نحسده ولكنّه تنبه لذلك ؛فأخبرنا أن سرده كلّه كذب وقد كان يسرح بخيالنا ،وهنا أتوقف ؛ لأخبر القارئ أنّه قد انتهى المقطع الأول من القصة وأن القاص قد انتقل إلى فقرة أخرى ليس لها علاقة محورية بالمعنى الأفقي مع القصة الأولى إلا بالجو العام الذي يريد أن يخبرنا عنه القاص ، فالقصة الأولى التي انتهت معالمها كليّا عند هذه الفقرة: ((... بالتأكيد أنتم تنتظرون المزيد عن خصوصياتي أيها الفضوليون، ولكنني اكتفيت من الكذب ... نعم كذب ....)) هنا كما قلنا انتهى المقطع الأول وهو قصة كاملة قصيرة متكاملة الفصول وذات عقدة وحدث متصاعدة إلى قمة الهرم ونزولا مع مرحلة التوليد التي انتهت باعتراف البطل بأنه رجل كاذب. السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذا الكذب؟ ومن هم الفضوليون الذين قدمهم البطل ؟هل هم السواد الأعظم من الناس أم هم جماعة مخصوصة يهمّها التلصص والمراقبة وسماع الأخبار؟ هذا ما بيّنه القاص في نهاية القصة الثانية التي بدأت بعد هذه العبارة، والتي ربما تكون الانتقال إليها يحتاج إلى ربط لفظي أي يكون بين عناصر المحور الأول والذي سميناه بالمحور الأفقي نوع من الترابط بين عناصره وهي ألفاظه بما هي مفردة أو عناصر مركبة.لكننا لاحظنا أن القاص انتهى من القصة الأولى ووضع نقطة فاصلة ليبدأ حكاية أخرى، ولكن الذي يجبر انتقاله هو النهاية المعبرة والتي جعلتنا نقف أمام الأسباب الحقيقية لكذب البطل ...لذا ثيمة القصة الثانية تختلف عن الأولى فالأولى هي سيرة ذاتية لرجل خمسيني ناضج يحاول الظهور بمظهر الرجل المنعم والعاشق....الخ القصة الثانية أراد بها القاص ربط طفولته المحرومة والتي جعلته بهذا الشكل النفسي ،  ولعلّ هذه الطفولة هي السبب التي جعلته يكون بهذا الشكل الذي يستسيغ معه  الكذب ويستملحه إذا صحّ التعبير .
بدأ القاص بالمقطع الثاني بقوله((.... منذ كنت في العاشرة من عمري المغموس بالحرمان والفقر المدقع))  هذا هو سبب كبير لأن يدفع الطفل إلى حالة اللاشعور في الخيال ربما وهذه أول مراحل التطبع والانقلابية على الواقع وبعدها تأتي العاهة والتي تكون بمعية الفقر المدقع وسيلة مدمرة لكيان الطفل خصوصاً في مجتمعٍ لا يبالي بأمثال هؤلاء وتضيع فيه القيم الإنسانية، لذا بعد هذه المقدمة اللاشعورية من البطل والتي قدّمها بياناً وسبباً مباشراً لوضعه المتقلب في ربوع الكذب وحياضه يأتي ليكمل مسلسله الافتراضي وبطولاته الخارقة والتي هي ربما شعور بسد النقص والتكامل المطلوب ولو كان كذباً.. لذلك قال :(( وأنا أبرعُ بكتابة المواضيع عن تحرير فلسطين والتقدم والحضارة في بلادنا وجمال الربيع وروعة الرياضة، وكانت تنال استحسان الجميع وتستوجب تصفيقاً حاراً من زملائي وبذلك أصبحتُ خطيب المدرسة المفوه رغم شللي وعاهتي)).. القاص عبر هذه السطور حاول أن ينتقد بعض الأوضاع المزرية في بلداننا العربية منها مثلا الشعور القومي والديني بضرورة تحرير فلسطين وأعتقد هذا الموضوع أراد انتقاده عبر مواقف الحكام العرب الانهزامية والتي ضيّعت فلسطين وجعلت من تحريرها حلماً كاذباً ، التقدم والحضارة ،فهاهي البلاد الغربية والآسيوية وأمريكا الجنوبية ومعظم  الدول تتقدم بسرعة كبيرة في مجالات العلم والتطور ونحن باقون نتصارع فيما بيننا ونتقاتل ولعلّ القاص بعبارته المختزلة أراد كلّ هذه المعاني وغيرها وهكذا بالنسبة إلى المفردات التي ذكرها فيما بعد.في نهاية القصة وبعد اعترافه بالكذب أيضاً إذا كيف يكون خطيباً بارعاً مع عاهته  ((التي لا نعرف ماهيتها وهل هي شيء آخر غير الشلل)) ،وقوة شلله ، توقع البطل أن يكون هناك من يسخر منه ولربما هناك دائما من يسخر منه لأسباب عدّة لذا تراه قد تصدى للمتوقع قبل حصوله بقوله((انتظروا لا تبتسموا كثيراً، أنتم أيضاً كاذبون ... !! كلكم كاذبون، وتملكون نفس التاريخ الحافل بالكذب .... فمن يعش مقهوراً، مكبوتاً، مذلولاً، بالتأكيد هو عاجزٌ يحيا حياة كاذبة)) سطور وضعت نهايات لكلّ خيال كاذبً وحلمٍ مزيفٍ بالنسبة لبطل عاش محروما في طفولته وهو صاحب عاهة مستديمة وسط مجتمع لا يرحم، ولكن البطل جعل سبب كذبه هو المجتمع نفسه الذي أذله وقهره لذا كانت ردّة فعله أن يكون بهذه الشخصية المهزومة والكاذبة.


ملاحظاتي:
1- أعتقد أن القاص كان بإمكانه اختزال الكثير من المواقف الجميلة والتي جعلت القارئ ربما يتمنى واحدة منها خصوصا من تتشابه ظروفه الحياتية مع الشخصية الافتراضية والتي تقمصها البطل ، ولكن مما يشفع للقاص استرساله هو  سرده الرائع وانتقالاته بين المواقف الجميلة وبكلّ عفوية في ألفاظه وتراكيبه في المحور الأفقي.
2- لغة الانزياح كانت قليلة جداً لتقارب المحور العمودي مع المحور الأفقي ولكننا رأيناها في عباراته:( محاولاً تحطيم جدار الغشاوة، أرتشفُ الفنجان بينما تحتضنني نسمات الصباح)) في العبارة الأولى ليس هناك جداراً للغشاوة وإنما هو تعبير مجازى عن حالة النعاس المتبقية من الحالة السابقة عليها وأقصد النوم. وكذا ارتشاف الفنجان لأن الارتشاف إنما يكون للقهوة فهنا أطلق المكان وأراد المكين أي من حلّ بالمكان فهو مجاز لغوية علاقته المكانية.أما في العبارة الثالثة فهو مجاز عقلي في تحتضنني نسمات الصباح إذا إنه نسب الفعل لما لا يعقل وهذا واضح.
3- اعتمد المحور الأفقي وأقصد البنية العامة للتركيب الجمل الفعلية والاسمية بشكل عام وكانت حيوية الفعل حاضرة وثبوتية الاسم متفاعلة معه.
4- بداية القصة ولمسافة طويلة تشعر وكأنها تقريرية محضة حتى ينبئك بكذبه وأن كل ما فات هو محض خيال ووهم مقصودٌ منه الشيء الذي أخره القاص في النهاية.
5- نهاية القصة رغمّ أنها لا تخلو من صدمة مدهشة إلا إنها كانت هادئة بعض الشيء بشكلٍ كنت أتمنى أن تكون أكثر شدةً وقوة لتكون ملفتة بشكل أكبر،رغم أن التعبير بالكلمات الأخيرة كان رائعاً ومعبراً .
6- لغة القاص سليمة وسردّه شيّق وانتقالاته بين فقرات المقطع الواحد كان متسلسلاً رغم ضياع الرابط اللفظي بين المقطع الأول وأقصد القصة الأولى والمقطع الثاني (القصة الثانية).
7- الملاحظ أن القاص بنى محوريه الأفقي والعمودي على مرحلتين عمريتين مرحلة الكهولة ومرحلة الشباب وقدّم النتيجة على السبب وهي مرحلة الطفولة كما هو واضح.
8- توصيف العنوان كان رائعا في القصتين واللتين كانتا بمجموعهما سيرة ذاتية قلقة لرجل عاش حياته متخيلاً بسبب ظرفه الاجتماعي.
9- القصة هي تعبير واضح وانتقاد شامل لمجتمع لم يرحم فقراءه  .
10- لعل القاص أراد أن ينبهنا عن الحالة التكاملية والتي كان من المفروض أن تكون حاصلة بدل الفارق الطبقي والحياتي  بين أبناء المجتمع الواحد وما يسببه هذا الفارق من أمراض نفسية تظهر بعد طول معاناة وكبت حقيقي.
11- بإمكان  التحليل النفسي أن يكون حاضراً في بيان عقدة البطل والتي بنى عليها مادته الفكرية . 
في النهاية أقو لتكن سيرتنا الذاتية هي مصداق حقيقي وانعكاس عن طيبتنا وتسامحنا وإنسانيتنا.
تحياتي للقاص
عبد الله خزعل 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق