الأحد، 7 فبراير 2016

ومضة إيثار للكاتب / محمد وجيه يتناولها بالنقد الكاتب المغربي الرائع / عبد المجيد بطالي



جدلية العلاقة بين الذاتي والاجتماعي 
في الومضة القصصية: 
===إيثار===
(تحرّر من برج ذاته؛ احتل منازل القلوب)
للقاص/ محمد وجيه
=========
تتركز العلاقة التواصلية بين (النص والمتلقي) على "المثير" القوي الذي يخلق "الاستجابة" القوية المتفاعلة مع ما يحدثه الخطاب الإبداعي في متلقيه ومنه (الومضة القصصية)..
إن أول ما يصادفه القارئ/المتلقي بصريا هو العنوان/العتبة باعتباره محرّكا رئيسيا - إن شئنا - لإثارة فضوله العلمي والمعرفي، كما يعتبر المحفز أو الدافع القوي الملّح لرغبة الإمساك بخيوط النص ومن ثمّ الرغبة في لذة قراءته ..
وعنوان الومضة التي وضعناها اليوم على (مَشْرَحة) النقد والتحليل هو: (إيثار) هذه المفردة التي جاءت هنا نكرة، مصدر من الفعل آثر يؤثر.. دالة وموحية ومشبعة بمعاني التفضيل، والاصطفاء، والاختيار.. كما أنها حافلة بمعاني عميقة تشير إلى التصحيح الذاتي، والتقويم النفسي، والتخلص من الأنا، والاندماج السلوكي السليم والخيّر مع الآخر وضمن الشريحة الاجتماعية.. هذه الكلمة المفتاح التي تعتبر بمثابة الرأس للجسد هي المؤشر الأول على مجامع النص والموصل إلى استجلاء مضامينه واستكناه مضمراته..
بُنيت هذه الومضة بتوازٍ محكم اعتمادا على الثنائيات المضادة في حياة الإنسان عموما ومن خلاله البطل في هذا النص.. والتي تصور ذلك التجاذب أوالتنافر بين (الذات/الفرد) و (الآخر/الغير).. وكما نلاحظ أن بناء العلاقة هنا جاء مغايرا ينحو نحو تصحيح الذات في علاقتها نفسيا واجتماعيا بالآخر من خلال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذات/ الأنا.......................الغير/ الآخر
الفرد..............................المجتمع
التحرر............................الاحتلال
برج (مفرد)..................... منازل (جمع)
التعالي............................التواضع 
(النزعة الفردية).................(السلوك الاجتماعي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من خلال هذه الاستراتيجية التفكيكية لبنيات المتن القصصي المعنون بـ (إيثار) يتضح أن السارد كان يؤلف ومضته بوعي وذكاء بديعين مستهدفا إثارة الانفعالات النفسية والذاتية والفكرية والتكوينية للمتلقي.. لبث روح فلسفة مضامين رسالته التغييرية.. على المستوى النفسي/ للفرد ثُم الاجتماعي /المجتمع.. على اعتبار أن العلاقة الرابطة بينهما علاقة تكاملية (فاعل/ الفرد) <=> (منفعل/ المجتمع) وبالتالي لا يمكن تصور مجتمع بلا أفراد، كما لا يمكن تصور أفراد إلا ضمن جماعة بشرية.. وقد بدت البشائر الدّالة على ذلك رأسا من خلال ما لمّح إليه العنوان النكرة المنفتح على الغنى والإشباع الدلالي..
لذلك ابتدأ القاص ومضته بالجملة الفعلية (تحرر..) هذا الفعل الذي يدل على أن البطل/ الفاعل المضمر المستتر خلف قيوده الذاتية.. قد انعتق بفضل خصلة (الإيثار) (من..). واستعمال (من) هنا لاتفيد فقط الجر وإيصال معنى الفعل إلى المجرور لقصور الفعل عن الوصول إليه.. بل لها دلالة ابتداء الغاية في المكان (برج) ذلك المكان المرتفع عن الأرض، المحصن بأسوار.. والذي يفيد هنا الاستعلاء المعنوي.. عن الناس بنزعته الفردية، وأنانيته ونزواته الذاتية..
كما نلاحظ الأسلوب التعبيري الرائع في سبك خيوط هذه الومضة الحاملة لرسالة التغيير.. كيف جعل السارد بطل القصة ينزل من عليائه (برج) واستعلائه بذاته عن غيره.. إلى (منازل القلوب) متوسلا في ذلك شيمة الإيثار لربط العلاقة الاجتماعية مع الآخرين وبالتالي امتلاك قلوبهم هذا (الرابط / الإيثار) الذي لا يستطيعه إلا من حرّر نفسه من عبودية نفسه، بتفضيل غيره على ذاتيته، كما أشارت دراسات علم النفس إلى ذلك، إذ تعتبر هذا السلوك الإنساني النفسي: (مذهب يروم تفضيل خير الآخر على الخير الشخصي).. 
حقيقة أن الرسالة الهادفة اجتماعيا وسلوكيا من وراء هذا النص الوامض، تهدف إلى تصحيح وتقويم بعض السلوكات التي أصبحت غائبة اجتماعيا في معاملاتنا بسبب تضخم الأنا/ الذات..
لذلك جاء الشطر الثاني يحمل نتيجة منطقية وطبيعية تمركزت حول الجملية الفعلية (احتل..) بمعنى استيلاء وامتلاك البطل لأهم شيء في الإنسان وهو القلب ممتطيا بذلك جمالية اللغة في تشبيه قلوب الناس بالمكان، إذ تعتبر هذه الأخيرة، الفضاء الآمن الذي يسكن الإنسان إليه ويطمئن، بل ينزل فيه (منازل)..
كما تميزت هذه الومضة أيضا بتوظيف القاص لجمالية المكان، (برج/ مفرد/ له علاقة بالذات =>الاستعلاء) <=> (منازل/ جمع/ له علاقة بالمجتمع => التواضع) هذا التقابل المكاني أعطى لهذا النص جماليته وروعته المستحقة..
لازال في هذه الومضة الكثير مما يستخرج من كوامن الدرر الدفينة فيه.. تحياتي للقاص المبدع محمد وجيه... 
==================
بقلم/ عبد المجيد بطالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق