يسند
أحمد ظهره المتعب إلى قاعدة عمود نور..مصباحه مشنوق ..لا يضيء سوى نفسه، يبحر في
طلاسم (مغني اللبيب) يسْترِط ُحروف المعمم : (إنها بقرة لا دلول . تثير الحرث ولا
تسقي الزرع ) .
على
رأسه أقف مسمرا أتأبط الفراغ ، أتابع في هلع خفافيش تحوم حول الضوء الخافت ،تتضخم
ظلالها على الحائط العتيق فتبدو كدراكولات ، تستبد بي رهبة المكان ، وينهش رَوْع
الليل جوارحي ، تدور عيناي في محجريهما ، في رحلة مكوكية بين قرص القمر وهالة
المصباح المتدلي .
تمتص
فجأة غيمة شاردة ضوء القمر، فتستوي العتمة فوقنا تماما ، أشعربالبلل ساخنا يستقر
في قاع حذائي ، أضع يدي فوق كتف أحمد انتزعه من غيبوبة الحروف .. يقفز مذعورا يشتم
، يتوعد ،ويتف ،يغلق الكتاب ، يتأفف ، يشعل سيجارة رخيصة ، ينفث دخانها في دوائر
حلزونية تعانق الخواء ، تشكل أشباحا رهيبة ، تتلاشى شيئا فشيئا ، تزول تماما ،
يشفعها بنفتة أخرى أقوى. !
، زعيقه
ونرفزته يبددان ارتعابي بعض الشيء..واستعيد قليلا من رباطة جأشي.. !
كرة لهب
كبيرة تمرق من داخل الأسوار كالسهم ، وتكاد تلامس وجهي، تند عني صرخة.. أحيد عنها
، أنزلق وأسقط أرضا ،أتابعها تستقر في مكان ما في هذا الفضاء المهول المخيف !
ينهضني
أحمد ، أسمع مصمصته المستميتة لابتلاع ريقه..وأرى صعود وهبوط غصة هلع مكورة تسد
حلقه تكاد تخنقه..يتظاهر بالشجاعة، تخونه ارتعاشة شفتيه و يتهدج صوته :
- كرة
نار.. طائشة من .. من ..منجنيق المعممين ،ربما أحدهم لا.. يحسن التصويب !
يقولون
:
- إنه
من حين... لآخر تطيش كرة لهب كبيرة.. ليلا وتسقط كالنيزك ، يمكن أن تدمر كل شيء في
طريقها حارس ..البوابة الجنوبية لمدينة شالة الأثرية، رآها و أيضا سواح
ليليون...أروبيون.. !
أقول
وأنا ألوك حروفي التي تركل في سقف حنكي :
- إن
هذه نسخة من خرافة الصحون الطائرة جاءتنا من صحراء (نيفادا) لتستقر على أسوار
مدينة شالة الأثرية ، المخيفة !
مرت كرة
لهب أخرى بمحاذاتنا وهي تصفر، يصرخ علي أن أسكت وأكف عن سفسطتي وإلا ستمطر علينا
لعنات أكثر مما حاق بنا في هذه الليلة المشؤومة !
فالمنجنيق
في الجهة الشمالية لشالة لازال شامخا هناك ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه وعلماء
الآثاربجلال قدرهم يخشون لعنته !
اجتاحتني
برودة من الرأس الى أخمص قدميّ ! تماسكت نفسي ، تنفست بعمق لأعيد الدفء إلى دمي
المتجمد، ومن ثقب أهمله المرممون في جدار سور شالة السميك ، استرق النظر إلى عمق
متاهات المدينة التاريخية المعتمة :
تتبدى
لي فجأة حشود من العمائم البيض في صف عسكري رهيب ، تقابلها فيالق ضخمة من الخود
السوداء أظنها حديدية ،ويطرق مسامعي خَببُ آلاف الحوافر تجوب المكان ذهابا وإيابا
وأصوات ، أشبه بالتكبير واضحة تماما ، طقطقة حوافر تشتد وصليل سيوف تتقارع وصهيل
خيل وحمحمة ، لكن لا خيول ولا حمير ولا بغال،
ثم يومض
نور باهت يخترق السور الضخم، يتلاشى كل شيء وتبتعله طيات العدم.. يرتد إلي طرفي ،
أعيده وأحملق فلا أقابل إلا خواء في خواء.!
أنهر
نفسي :
- ما دهاك
؟! إنك تهذي : تمكن منك الخوف . واستوطنتك وحشة شالة . !
-هاي
أحمد ! إنه صليل السيوف ، وصهيل الخيل ، و صفير كرات اللهب تلفظها المجانيق ! ما
هذه الفوضى المجنونة !
..هس
...هس .. إنه صهيل الجنون ، إنه عويل أشباح التاريخ !
لليل
أسرار تحيا فيها الحياة الميتة ، وتموت فيها الحياة الحية..تشق صرخة صمت
الليل..يلعلع عويل...وتحشرج أنفاس !
يدق
قلبي في صدري بقوة، يركل في جنباتي ، أفقد ما استجمعته من شجاعة وتخور قوتي أحاول
لملمة جسدي المتخشب ، أستعين بذاتي على حمل ذاتي ، تخونني قدماي تغوصان في الأرض
،أقتلع اليمنى ،فتنغمس اليسرى ، أراوح مكاني !
مسندا
ظهري بيدي اليمنى ومطوقا عنق أحمد باليسرى ،أستمد منه شجاعة يفتقدها أيضا فهو ليس
أحسن حالا مني !
نلتف
على بعضنا البعض ، نرقص رقصة الهلع والخوف ، نتدحرج من أعلى التلة فتخلتط أطرافنا
وتدق عظامنا، يتبعنا الصهيل والصليل ، والطقطقة ،وتحفنا الأشباح وتطوقنا ..نعدو
هاربين متسللين من الممرات الضيقة في حقول القصب ،في اتجاه (عين جنة ) يسحبني أحمد
،من يدي ويصرخ في وجهي :
- اقتلع
نفسك ،واخلع عنك بزة الخوف فكرة اللهب التي أخطأتك قد تعود إليك ( فليس كل مرة
تسلم الجرة ) !
خرير
ماء عين جنة سرب جمال مذعورة ، يعبرني عبر ثقب الأذن ، و يتسرب كالرصاصة من الجهة
الأخرى ، يصيبني دوار شديد ، أشعر برغبة ملحة في القيء ، أصبح غريبا عن جسدي ،
أتهاوى على الأرض ،يجرني أحمد جرا أستعيد وعيي ،أرمي بكل ثقلي على كتفه الواهن ، أ
هوخرير الماء توقف ؟ أم هي حواسنا شلت تماما ؟ على مقربة من( عين جنة )، يلوح فارس
، تغمره العتمة ، أفرك عيني ، ثم أفرك ، نعم تبينته ،يمتطي حصانا أعجف نحيلا ،
يسند جسده على كتف الفراغ اللامتناهي ، بيده رمح قديم مقبضه في الأرض ونصله يدغدغ
النجوم في السماء ،مزروع أمامنا كتمثال قديم ،أكتم أنفاسي بقبضتي ، أحمل صمتي ،
أدحرجه امامي ، اتحسس قلبي ،أحسبه يركل خارج صدري ؛ نصيح مرعوبين أنا وأحمد :
-السلام
عليكم ، يا أهل المكان ! يا سيد الزمان !
لا جواب
، نظراته صارمة تمسح فوقنا ، تخترق المدى البعيد ، لا حركة ، لا صوت ، في خفر
الرهبة نتجاوزه ، أفقد كوابح نفسي ، فيغمرني البلل كلي ، استدارة حرباء : لا شيء
وراءنا .. فراغ قاتل .. خواء أسود قاتم :
-أين
ذهب ؟ أ تلقفته شياطين السماء ؟ ربما امتصته الأرض !
زفير ،
ونحنحة ، وصوت كقعقعة الرعد ، يضرب بالأكف على صفحة الماء الراكد ، يكاد يثقب طبلة
أذني :
- أنا
قاهر طواحين الرياح ! أنا القادم من زمن العواصف و الرياح ، أنا بروموثيوس أنا
قاتل زيوس ، أنا الكبد المتجدد ، أنا الثورة ، أنا التغيير ... أنا... أنا ...أنا
، يتلاشى الصوت شيئا فشيئا ، يغشانا صمت الصمت تتلقفنا أكف خشنة غليظة، تطبطب
علينا بشتائم وسباب وبعض من الصفعات على القفا والركلات على المؤخرة ، فنروح في
نوبة هذيان هستيرية ، تلفنا برودة الجدار والظلام وتزكم أنفينا روائح الفساد
والعفونة !!!!
توضيحات
:--------------------------------------
-شالة :
مدينة أثرية تاريخية ،بمدينة الرباط
-عين
جنة :نبع مائي دافق قرب مدينة شالة
-برومثيوس
وزيوس : علمان أسطوريان ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق