عند
السابعة من مساء كل سبت يذهب إلى الحلاق ليشذب له ذقنه أو تخفيف شعره الأسود،
بعدها مباشرة يتجه نحو النيل، ليحتسي قهوته بصحبة إنعكاس صورته في الماء، والقمر
متدلي من السماء كاللؤلؤ في قاع المحيط يلمع نصفه الثاني، والنسيم البارد ينتشر في
الأرجاء كزهرة الصفصاف في ريعان أفرعها، هذا كان حاله قبل سنين، قبل محنته التي
إحتساها ذات نزوة، وحدث أن عادت به ذاكرته التي بدأت في عرض الأحداث بصورة
عشوائية، كطفل يعبث بجهاز تحكم أيامه، فعندما تنذره بطنه بنفاذ صبرها، يتذكر
عشائهما في المطعم الإسبارطي ذاك ويشبع، تلك الأمسية الأولي من لقائهما، حين
يستحضرها حتي رائحة الطعام يتصاعد بخارها أمامه، لكنه داوم بعدها علي تناول نبيذه
بإنتظام، فبعد رحيله القسري عنها، أهمل الكثير من روتينه وخاصة الغذائي، لذا نحل
جسمه كثيراً من شدة الجوع، برزت عظام صدره وأصبحت عيناه كالبحيرة المنحسرة، وذقنه
بدت كأنه لم يحلقها منذ زمن بعيد، بات ينسي موعد الحلاقة كثيراً، لكنه ذاك المساء،
صادف ذاكرته في منعطف شتائي، إرتدي بدلته السوداء، حذائه البني، ساعته الفضية، نظر
إلى المرآة قليلا، تسائل من ذاك الذي يبحلق فيه من الجانب الآخر، لكنه لم يكترث
كعادته، حك ذقنه، وخرج شارد البال يصطحب ذاكرته الصدئة يلحقه بعض من عطره المفضل
لديها. عند الحلاق كانت تجلس فتاة جميلة، عشرينية، سمراء كحبة البن، بشرتها محمصة
"وكأنها مصنوعة من الشمع"، وعيناها بحيرتين صافيتين، مطبقه علي رجليها
في الكرسي المخصص بصف النساء وبخجلاً شديد كانت تتطلع إلى هاتفها، أو تبدو منشغلة
بمراقبة أبنها الذي يحلق في المرآة المقابلة لها، لكنها توقفت فجأة كأنها إستطردت
شيئاً ما، أو أحست بوجود أحد يراقبها، فقلبها لا تزيد دقاته إلا في حضوره الصاخب
عند معابد ذاكرتها، ورائحة عطره كفيلة بالإعلان عن قدومه"ذاكرة الشم عند
النساء لا تنسي أبداً"، إنه هو، لقد ظهر بعد كل تلك السنين العقيمة من
التفرهد، لقد تركها ذات مخاض تواجه العالم وحدها، بعدما إمتص رحيقها وتركها حبلي
بالدموع، أما الليالي التي كانت تقضيها ساهرة منتظرة عودته تحت أي لحظة، فكانت
تخبر إبنها أن أبيه قد رحل بعيداً ولكنه حتما سيعود، فهنالك يوم من أيام الدنيا
السبعة مكتوب لك أن تراه فيها، ولكنها لم تكن تتوقعه أن يكون قد تغير كثيراً بهذا
الشكل، كان وسيما بشعره الناعم وعينيه الكحيلتين، كان لسمار لونه حضور خاص في
ذائقتها الحسية، ولكنه الآن بدا كهل عجوز، نسجت العنكبوت علي وجهه خيوط العمر، كيف
تخبر إبنها بذاك المجنون. أمّا هو فعرف لماذا لم يتثائب حتي الآن، ففي حضره غيابها
عن ذاكرته كان يتثائب كثيراً، فالوقع لا يتحمل غيابها، لذا يهرب بالنوم لساعات
طويلة، فهي أنثي جديرة بالعيش لأجلها"تليق بها الحياة" ولكن لماذا في
هذا السبت بالذات لاحت؟ "أنا فقط أتيت لأحلق" هكذا كان يقول للحلاق
عندما أيقظه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق