الجمعة، 27 مايو 2016

المركز الثاني قصة عذراء الحرية .... للكاتب الرائع الأستاذ / صلاح العيسى




ليل وضاء يشبه كل شيء سوى الليل، شرع الصباح يستمع لأصوات لم يسمعها منذ زمن طويل، يشكو منها البشر، والشجر، والحجر،وحمم البراكين تتطاير لتتفرق في كل زقاق ودرب، وعواء الريح تبغي نهش أقدم عاصمة. في التاريخ ،لتلف أرضها وشعبها بأكفان تكاد تندر أقمشتها ،وتستجلب الآفات من كل مكان، وشرع البعض يحفر قبره بيديه لينام فيه قبل نزوله،
ذهبت الريح تلعب بالأجساد النظيفة التي عشقتها الثياب الرثة وحرمت مماهو جديد،
بدأ لعاب الذئاب يسيل على أعتاب العاصمة وشرفاتها بغاية تدنيس التراب الطاهر الذي احتضن على سطحه أشجار الإباء، والشموخ، والتحدي ،التي بدأت تذبل وتعتريها علامات الحزن، إثراقتلاع الجذور بالأيادي الحمراء القذرة ،ممن باتوا يبغون إسقاط التراب الحي،
طغى الفقر، وبسط الخوف سلطته، ولبس الحزن عمامته السوداء الى إشعار آخر.
وقفت وردة في الخامسة عشر ربيعا أمام منزلها في حي الصالحية تنظربعينيها المحدقتين الجميلتين بلون زرقة السماء البريئة الصافية، لم تكن ترى أشياء كهذه في حياتها أو حتى إنها تتوقع رؤية ذلك حتى لو بلغ العمر بها بعد مئة عام ،شاهدت الأشلاء كيف تطفو على سطح نهر من دماء يبدأ سيره من مدخل الحي ليلتف الى أماكن مختلفة من الجوار المحيط ،بدأت تهذو في نفسها متسائلة عن ذنب هؤلاء الناس، هل اقترفوا ذنبا بهدم الكعبة المشرفة ؟ أي ذنب اقترفت أيديهم حتى يحكم عليهم بالطواف حول شلال من دماء وهل وهل وهل؟
أين القيم التي تعلمتها في الطلائع من كلمات حول النضال، والفداء ،والصبر، والإخلاص المتمثل بالدفاع عن الإنسان ؟ أين هم أبطال مسلسل باب الحارة الذي صوروه بجوار منزلها ومايحمل من قيم، وكبرياء؟
تذكرت وتذكرت وتذكرت حتى أصيب رأسها بدوار يكاد أن ينفجر كقنبلة يدوية على حين غرة أن ينسلخ عنها مسمارها .
صرخت بأعلى صوتها الرقيق اللعنة اللعنة عليكم ياغزاة الديار فلتذهبوا الى الجحيم وهي ترسم ماتردد من عبارات على جدار منزلها الجريح الذي تلقى لكمات مؤذية على أضلاعه النحيفة من جور الرياح .
سمعت عبارات نتنة نقلتها الريح نحوها مسرعة تحمل رائحة كريهة من فاه قذر ثمل:
أيتها الوردة الزكية جئناك سوف نشتمك، ونقطفك ،ومن ثم نغرسك بداخل أحذيتنا العسكرية ،وهناك سوف تدركين اللعنة ومعنى اللعنة داخل بستان الوطن المظفر.
راحت هذه الكلمات تضيق بها ذرعا وتشعرها باختناق، حتى رجف جسدها النحيل مسرعا ليتزامن مع غياب وعيها فتسقط أرضا فتمسكها أياد يتغلغل بداخل أصابعها المعقودة على الشر دم الأبرياء والعذارى.
بعد فترة وجيزة استفاقت قليلا من غيبوبتها وشعرت بالخطر يلفها ليقتطع عفتها صرخت صوتا امتد من أسفل قدمها الى أقصى رأسها تستنجد إفلاتها من بين الوحوش الكواسر، الذين فقدوا إنسانيتهم أثر فعلتهم القذرة، التي أبكت الأوطان من غير تأنيب للنفس ،أو شعور بالذنب ، بل تفاخروا بشرورهم ونفثهم للسموم.
وصل صوتها الى آخر شبر في الكون عاد أدراجه مهزولا مهرولا لايجد من يسمعه أو يحنو عليه بل تلقى تهديدات بإخماده.
على أثر ذلك شعرت وردة بقرب احتضارها وحاجتها إليه ،بدأت الذكريات تنهال عليها بحلوها ومرها كما السيل الجارف الذي يحمل معه كل شيئ ،
تذكرت قصة جدها الذي فارق الحياة في الثمانينات أثناء عودته من حماه بينما كان قد زار أقاربا لها هناك.
تذكرت والدها الذي قتل منذ شهرين على يد قناص ضاعت معالمه ،فكم آثر الحرص على طهرها وعفتها وكم كان يلقنها دروسا بالأخلاق، والعلم كانت ترسخ في أذهانها .
بعد هذه الذكريات بشقيها ارتقت روحها الطاهرة الى السماء، بينما راح عبقها يسبقها باختيال، وتفاخر الى مقبرة العذارى ليبرأها من تهمة سرقت عفتها قسرا ،لتدفن تحت وابل من رصاص يخترق جدار القبورالتي انبرت لتقف ولبنتها تشمخ بلا انحناء تعتز بنازليها، تبتسم ابتسامة غيظ وسخرية بوجه عدو يظن أن الموت عقاب متفائلة بثأر قادم عبر من شيد صرحها بيديه الخشنتين المنقبضتين وسقاها بماء الجبين المالحة .
وهناك في عالم الذئاب البشرية كانوا يرقصون فوق جسدها المعذب بعد استشهادها ،ويشربون كؤوس الذل ،والهوان، وسجائر الحقد التي يتطاير دخانها وتؤذي رائحته كل من يشتمه أو تشعل النيران التي تمتد لتلتهم البشر والحجر، مبتهجين وتغبطهم الفرحةوكأنهم ضمئا ووصلوا للغدير،وتصدح حناجرهم الملوثة بأغانيهم الوطنية التي تمجد قائدهم الذي فقد بصره، وسمعه بعدما اتكأ على كرسي العرش وأطبق صدره عليها مقفلا فكيه على أخشابها كي لايجلس عليها أحدا سواه. ويعزفون موسيقاهم الهابطة بآلاتهم الحادة ذات اللحن الأحمر ويمدون أذرعتهم التي تختلس ماتبقى من عذارى.
لاتعرف في عيونهم الدمع صدأت قلوبهم بأكنتها أمام صيحات الرحمة، وويلات العذاب، ومازالت أيديهم تقبض السكاكين التي جلبوها من مرتعهم الوخيم لتتقصد استئصال الشرف الذي نبض بين أحشاء الأحرار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق