الجمعة، 27 مايو 2016

المركز الثاني قصة حفر الموت .... للكاتب الرائع الأستاذ / رسول يحيى




السماءُ مغبرةٌ بالسحب الدخانية، والنجوم الخجلة تتستر بالظلام الدامس في هيمه موحشةٍ ،غابت عنها الأضواء الفضية المنبعثة من ضياء القمر سوى لهب الآبار المحترقة والتي ترى من مسافاتٍ بعيدٍ. صفير الموت يحلق فوقنا، وعويل الكلاب ينذر باقترابها من أجساد أصدقائي الغافية في سلامٍ بوجوهِهم المصفرةُ الشاحبةَ والمتربة لا تحرك ساكناً، وليس لها القدر في ابعاد الخطر عنها. تناولت بندقيتي ،واطلقتُ رصاصةً في الهواء حتى تبتعد الكلاب. تعالت الأصوات من الخنادق الأخرى.
- :" ما الذي تفعله.. سوف ترصد الطائرات مواقعنا من خلال ومض الرصاصة".
- "وماذا سأفعل.. الكلاب ستنهش أجساد اصدقائي النائمين .. ما زال الوقت بعيداً على طلوع الفجر .. هل أدعها تمزق بقيتهم الباقية.. ماذا أقول لأمهاتهم.. زوجاتهم.. أباءهم.. ابنائهم ."أجساد ابنائكم في بطون الكلاب والضباعين .. لم نستطع أن نعود بها إليكم.. يا ألهي ماذا سأفعل" . أي ألم وفزع الذي أنا فيه .. لماذا أنا حي وهم أموات ممزقين الأجساد ؟ لماذا لم ألقى نفس مصير أصدقائي فيرتاح ضميري؟ .. أي اختبار وضعت فيه، قبل ساعات قليلة كنا معنا في الخندق، نحلم بالعودة وشراء الهدايا إلى أطفالنا وشم عبق امهاتنا وزوجاتنا .
الوقت لا يمضي والعويل يزداد اقتراباً وأزيز الموت يحلق فوق رؤوسنا وأصوات القنابل المتساقطة تهزهزه الأرض كأنها مهد طفل تهزهزه يد أم حنونة تحاول إسكات بكاء رضيعها .
- " لا .. لا .. لن أدع الكلاب تنهش أجسادكم أنتم أصدقائي .. فلو كنت أنا مكانكم .. فأنكم لن تدعوا الكلاب تفترس جسدي أليس كذلك. .. فليسمع الجميع لن أدع الكلاب تقترب من أصدقائي حتى لو كلفني ذلك حياتي . أي رصد تقصدون هل أنتم أغبياء.. أنها حرب أقمار صناعية وحرب كونيه تأتي الصواريخ من البحار والمحيطات وتقولون ترصدنا الطائرات أغبياء.. أغبياء.
أسمع الأصوات وهي ترن في أذني تنادي الجنود بالحضور إلي وتضميد جراحي وسحب السلاح مني.
- " يا أصدقائي ناموا بهدوء لن ادعهم يبعدوني عنكم وسحب بندقيتي سأحمي أجسادكم". فليسمع الجميع:" كل من يحاول الاقتراب مني سأرديه قتيلاً بسلاحي هذا وأدع الكلاب تنهش جسده. والشجاع من يحاول الاقتراب .. أنا لستُ جريحاً فقط ملابسي ملطخة بدماء أصدقائي" أخذت ارمي الإطلاقات في الهواء.
ما زالت الأصوات أسمعها تنادي " الرجل مصاب حاولوا إنقاذه.. جرحهُ بليغ وهو ينزف الدم ... وأنا مستمر بأطلاق العيارات النارية .
- " أنا لستُ جريحاً أنها دماء أصدقائي ومازالت حارة . احتاج فقط الى القليل من الماء فقد أعياني التعب والسهر. . أنهم اصدقائي هل أدعهم .. لا .. لا . لن أدعهم وأخلي نفسي . غداً سأنقل جثامينهم إلى ذويهم . فقط ساعات قليله ، حتى طلوع الفجر وينتهي كلَّ شيء.. هل تسمعونني .
- آهً منكِ من صحراء قاحلة لعينة فكل شيء فيكِ يدعو إلى اللعنة رمالك الحارقة وأشجار الأثل اليابسة والأفاعي والعقارب المتخفية تحت الرمال والحيوانات البائسة.. فكل شيء يدعوا إلى اللعنة .بئساً من حياة ظالمة وزمن لعين . أطمأنوا أصدقائي لن أدع جثمانيكم نهب لذرات رمال الصحراء . سأنقل أجسادكم هناك حيث وادي السلام .. هذا ما تعاهدنا عليه سأفي بوعدي لكم فاطمأنوا سيكون لكم قبر تزوره الأمهات.
- قواي تنهار وما عدتُ استطيع على حمل البندقية .. يداي ترتعشان .. ربما التعب .. نعم أنه التعب أنهك قواي. الماء .. أين الماء .. ريقي قد جف وشفتاي قد تجبست وتشققت لقد شل جسدي، وجفوني قد تثاقلت، ما الذي يحصل لقد اختفى الظلام وبان البياض فكل شيء ابيض لقد شل لساني .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق