الأربعاء، 8 فبراير 2017

القصة القصيرة جداً ( " ما ...ما " ) للكاتب الرائع الأستاذ / خليل حسين إطرير تتناولها بالنقد الأديبة الكبيرة الأستاذة نجاح العالم السرطاوي







          ما...ما 

 التفّت السواعد حول كومة كانت قبل ثوان عمارة شاهقة.... دقائق... أكملوا نقض ركامها تقريبا.وأخرجوا الجثث والجرحى ...الدخان والغبار والقضبان تلفّهم غير آبهين بها.صاح أحدهم: صراخ طفل تحت هذا السقف الساقط.....وبهمّة عالية رفعوه مائلا...يا الله !.هذا طفل حيّ يحتضن أمّه المسحوقة...
 .احتضنه المسعف بحنان.أنّ الطفل بصوت متقطع متوجع : ما....ما...نظر لوجهه...تجمّد ...ذرف دمعتين ...أعاده لحضن أمّه المسجاة على النقالة.

==================== النقد ===================
نبدأ بالعنوان الذي هو مفتاح الققج و عليه تبنى و تتطور الأحداث
 العنوان : " ما ...ما " صوت متقطع لطفل متألم قد نزفت روحه بحروف تطلب النجدة و العون ، و لمن هذه الحروف ؟
 إنها موجهة للأم الرؤوم التي حملت و ولدت و أرضعت و سهرت و تألمت من أجل صغيرها فهو يستنجد بها الآن كما كان يستنجد بها من قبل لحمايته من كل مايؤذيه و كما يستنجد بها في كل وقت ، و هو مازال في حضنها و لم يدرك ما آل إليه حالها و لكنه الآن يصرخ و يصرخ و قد تقطع صوته من كثرة الصراخ و الوجع و لأنه لم يجد تلك اليد الحانية التي تمده بالعون و لم يجد الحضن الدافئ الذي يمده بالحنان و الحب و العطف فقد أصبح الحضن باردًا موحشًا بعد الدفء
لماذا يا ترى ؟
لقد بدأ الكاتب المبدع بنقل صورة حقيقية ملموسة حركية صوتية ملونة بالدماء و الدمار و الخراب  ، و هذا المشهد يتكرر كل يوم بل كل دقيقة في مجتمعنا و واقعنا العربي المرير الذي أثخنتْهُ الجراح في جميع بلادنا حيث تجري رحى الحرب التي لا ترحم صغيرًا و لا كبيرًا ، لا امرأة و لا طفلًا و لا شيخًا و لا شابًا إلا و طحنته و ساوت بهم أرض منازلهم و جدرانها و أبوابها و نوافذها
كما ذكر الكاتب في هذه القصة الرائعة
 استخدم الكاتب ألفاظه الجزلة التي تدل على الألم و الحزن و المعناة الحقيقية لما يتعرض له أفراد الأسرة و المجتمع من قتل و تعذيب و تنكيل مثل :
" نقض ، ركامها ، الجثث ، الجرحى ، المسحوقة ، المسجاة ، النقالة .... *
 و قد رسم الكاتب المشهد بلوحة حية ناطقة نسجتها حروفه الحزينة المتألمة لعمارة كانت قبل دقائق معدودة شاهقة البنيان و إذا بها تهوي على من فيها من سكان لتنثرهم ما بين قتيل و جريح و أصبحت " كومة من ركام"
و يظهر الكاتب هنا صفة المروءة و الشهامة و العاطفة القوية التي تربط بين أبناء المجتمع  بأنهم تكاتفوا " التفّت سواعدهم : ما أجمله من تعبير " و اشتدت عزيمتهم و اخترقوا القضبان و الدخان و الغبار المتصاعد من المبنى الذي أصبح خبرًا بعد عين و تلاشى الأمن و الأمان و السلم و السلام ، حيث كانوا يبحثون بين الأنقاض عن السكان ليخرجوهم من تحتها و قد كانوا ما بين قتيل و جريح
 و قد ذكر الكاتب أن أحدهم سمع من بين الأنقاض صوت طفل أسفل أحد الأسقف المائلة من جراء القصف ، فتعاون المسعفون و أصحاب المروءة على رفع السقف المائل و استخرجوا الطفل الذي كان يصرخ و أمه التي كانت قد فارقت الحياة فقاموا بأداء واجبهم و وضعوها على النقالة للاستعداد لإجراءات الدفن
و هنا أظهر الكاتب صفة أخرى لأصحاب الشهامة و هي العطف و الحنان حيث قال :
 " احتضنه المسعف بحنان " أي أنهم خلصوا الطفل من بين الأنقاض و قد بعث الكاتب فينا الأمل أن الطفل سيعيش و ذلك بعد أن أسعفوه مما كان عليه من اختناق أسفل الدمار و الخراب و لكن للأسف فقد خبا فينا الأمل بعد أن منحناه من قبل الكاتب بقوله : " أَنَّ الطفل " من الأنين و الألم و الوجع و كان آخر قوله : ما ... ما ... بلفظ متقطع دليل مفارقته للحياة و حتى أنه لم يكمل كلمة "ماما"
و قد ختم الكاتب قصته بنهاية مؤلمة مفجعة بعد أن كنا قد تأملنا في أن يحيا الطفل بعد إنقاذه
 و قد كانت هذه القفلة رائعة بأنه لم يذكر موت الطفل و لكننا استوحينا ذلك من قوله : " نظر لوجهه ... تجمد ... ذرف دمعتين ... أعاده لحضن أمه المسجاة على النقالة "
و كلمة " المسجى ، و المسجاة " تعني الجسد الذي لا روح فيه يعني الإنسان الميت و الإنسانة الميتة
و بذلك فقد عاد الطفل إلى حضن أمه ليدفن معها كما كان ملتصقًا بها من قبل  ينعم بحنانها و يتمتع بحبها
صورة منفرة للحرب و الدمار و العدوان يقشعر منها جسم كل إنسان رقيق حنون كريم يشعر بالآخرين
 كما أنها صورة تنفر من المدمرين السفاحين القتلة الذين حرموا الإنسان حقوقه بالعيش الكريم و سلبهم حياتهم و قتلهم الطفولة و الاعتداء على البراءة و حقوق الأطفال
 أبدع الكاتب في قصته الرائعة الهادفة التي بيّن فيها ويلات الحرب و مآسيها و نتائجها على الفرد و الأسرة و المجتمع و على نفسية الإنسان
 تميز الكاتب بأسلوبه الراقي البديع و صوره البلاغية الأدبية التعبيرية الرائعة التي أثرت فينا و حزّت في نفوسنا كما حصل و تأثر بها المسعف و غيره ممن كانوا في محيط هذه الأحداث المريرة
العنوان كان مناسبًا جدًا للقصة عبر ما مرّ من أحداث
 أحسن الكاتب في السرد بكل سهولة و يسر مع تسلسل الأحداث و تتابعها و قد أحكم المبنى و أجاد المعنى و أثر فينا بعمق فشعرنا بالحزن و الألم و الأسى على أوضاعنا المهينة و شعوبنا التي تُباد أمام أعيننا و نحن لا نستطيع تحريك ساكن
 عنوان مناسب و سرد رائع رغم الألم و الحزن و قفلة مدهشة جميلة و ألفاظ جزلة ملائمة للأحداث الجارية في وطننا الكئيب
 و كم هي الأحداث المريرة و المشاهد المؤلمة التي تجري على مرأى منا و مسمع و لكن من سيجيب نداءنا و من الذي سيسمع صراخنا ؟
و قد أسمعت لو ناديت حيًّا و لكن لا حياة لمن تنادي
لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم
 لشهدائنا الأبرار جنات النعيم بإذن الله
أتمنى لكاتبنا المبدع دوام التألق و التميز و الإبداع
حفظه الله و بارك فيه و رعاه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق