"
رحلة"
عند حافة الجسر استراح إلى تلك
الصخرة التي أعمل فيها الماء مايعجز عن فعله نحات مبدع، أصاخ السمع لنقيق الضفادع
وتسارع مياه الوادي وكأنه إعلان عن حدثٍ قادم، كانت الشمس تغادر علياءها لتسقط
هناك في الغرب حيث استراحتها المؤقتة،
القرية هي الآخرى راحت تشهد هدوءها
المعتاد، الضفادع وحدها من يتعالى نقيقها ، وهناك ليس من بعيد ذئب عوى على أطراف
القرية وكأنه ينبئ عن فراغ آتٍ ..استجابت الكلاب لعواء الذئب فنبحت هي الآخرى،
تمايلت أشجار الزيتون ،وصلت إلى أنفه رائحة خبز العشاء ، لابدّ أنه خبز تنور أم
المصطفى تلك المرأة الستينية التي لا يعجبها خبز المخبز الآلي الجديد... كثيرا ما
راحت تهذي " عجبا لنساء هذه الأيام كيف يأكلن هذه الرقائق.. لكن يا حسرتي لم
يبق رِجال وتميل برأسها تيها " قهقه وكأنه يسمع أم المصطفى ويرى تمايل رأسها
..
شعر بسحر مغاير ، في حين راحت خفافيش
الليل تقترب منه بعماها لتهرب محلقة قرب أعمدة النور.
استحال لون الشفق حمرةً .. شعر بما
لم يشعر به من قبل، ألمُ قلبه يتصاعد ، لمَ اخترتُ الصخرة في الوادي قرب المقبرة؟
عجيبٌ أنا ولكنها استراحتي المعتادة ؟ مرّ به شريط حياته سريعا، كم كانت القرية
أجمل ! عجبا كيف ضاع الوفاء وانعدمت القيم ، حتى فرس جدّي أبتِ الموت بعيدا ، سحبت
نفسها من الحقل لتموت قرب الباب الذي كان مربطا لها على الدوام، عجبا كيف تبدّل
البشر فضاعت طيبة أهل القرية..!
أزعجه السؤال .. مالذي قادني من
المدينة إلى القرية ؟ لمَ جئت هنا رغم نصح الأطباء وإصرار زوجتي، أهو شوقي للقرية
، أمْ....؟
عاوده الصمت فوق تلك الصخرة ، مدّ
ببصره إلى الشرق هاله منظر القبور، اعتصره الألم ضغط بقوة فوق صدره، انتصب شبح
والده داخل المقبرة ينادي : أشتاقك أيها الرّضي ، ابتسمَ ..شعر بكبرياء مغاير حتى
وأنا أعاني المرض الذي أورثنيه أبي يناديني بالرضيّ، عاوده الألم ، لمح صورة
أولاده هناك في الحافة الشمالية للقرية ، أطرق خجلا ..دقق النظر شرق المقبرة أنه
والده يفتح ذراعيه ، حدّثَ نفسه ـ لم أورثتني الذبحة أبي ؟ماذا فعلت لك ؟ ما ذنب
أبنائي ؟
اعتذر لوالده حياءً، جال ببصره
باتجاه الشمال إنهم أولاده ، حار كيف يكون الطريق ، خشي غضب أبيه وبكى لأنه لم
يستطع تلبية نداء فراخه الصغار ...
حار أين يتجه ؟
تصاعد ألم صدره ، صرخ ... تعالى نقيق
الضفادع ، أذّن المؤذّن لصلاة المغرب ، كرر بتثاقل صوت الآذان، شهِدَ بما أُشهِدَ
الناسُ عليه...صرخ من جديد ( آه آه ) ضاع صوته بين صخب الوادي وصوت المؤذن ((الله
أكبر ...)) حاول أن يتماسك ...زلت قدمه تقاذفته المياه وغادر باتجاه الغرب ، تاركا
والده شرق المقبرة وأولاده هناك في الشمال ....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق