عودة الكاهن المنبوذ
اخذ الكاهن الاصغر يلملم اشياءه من غرفته بالمعبد الكبير ليرحل رغما عنه بعيدا عن البلدة التى يعشقها وشعبها الطيب الذى يبادله الحب بعد ان حكم عليه الكاهن الاعظم بالعزل بعد مكيدة الكهنة له لخوفهم من تنامى حبه لدى الشعب وتنبئهم بأنه سيفرض سيطرته عليهم فى القريب العاجل ويفضح استغلالهم للشعب ، فهو المفضل والمحبوب من عامة الشعب وهو رغم انه اصغرهم سنا الا انه اكبرهم عقلا وعلما وذكاءا
ومع غروب الشمس يرحل الكاهن فى ظلام الليل وفى صمت وقلبه ينفطر على فراق وطنه رغما عنه ودون ان يرتكب اثما او جرما كل ذنبه انه احب الشعب بصدق فبادله الشعب الحب والاحترام
لجأ الكاهن الى مغارة بجبل تحميه من عواصف الصحراء ليلا ومن شمسها الحارقة نهارا
وجلس الكاهن فى هدوء يتعبد ربه وتنزلت السكينة على قلبه ونسى الدنيا بما فيها من ملذات وظلمات
الايام تمر والاسابيع والشهور والكاهن لا يشعر الا بمتعة العبادة بعيدا عن البشر ، لا يوجد حوله ما يقطع عليه خلوته وصلته بربه وتأمله فى خلقه البديع
وبحلول فصل الصيف يلفت نظر الكاهن بيتا كبيرا للنمل يخرجون منه اسراب بحثا عن الطعام يخرجون فى صفوف مرتبة ويعودون بنفس النظام محملين بالطعام
كل يوم يتأمل منظرهم ويسبح ربه ويتفكر فى بديع خلقه ونظمه للحياة بقدرة وتمكن
وفى اليوم السابع وعند عودة النمل محملا بالطعام يأتى طائر اسود اللون يهجم على عش النمل ويدمره ويسرق الغذاء ويفتك بمن وقف فى طريقه من النمل
حاول الكاهن ان يتدخل ولكن تقلصت عضلات قدميه وكأن شيئا يقول له دع امر الله فهو نافذ واترك الطبيعة تأخذ مجراها فسكن الكاهن وجلس يشاهد بشاعة المنظر فى صمت ، شعب يبنى بهمة وعزم ويسعى ويكد للحصول على قوته ثم يأتى غريب عنهم يهدم ما بنوه ويسرق اقواتهم ولضعفهم الذى ليس لهم حيلة فيه لا يستطيعون مجاراته او منعه لشدة قوته وبطشه
وفى الصباح وجد الكاهن النمل يلملم جثث قتلاه ويبنى ما تهدم من بيته بهمة ونشاط ويخرج ليبحث عن الطعام ويعود محملا بالطعام وكأن شيئا لم يكن ، يتعجب الكاهن من قوة عزيمتهم وشدة صبرهم رغم ضعفهم
وتمر الايام ويعود بعد سبع الطائر اللعين ليفعل نفس الفعلة ويعود النمل ليبنى من جديد وتتكرر الاحداث فى رتابة اصبحت مملة ومحبطة للكاهن
وفى صباح احد الايام التى يصل فيها الطائر اللص وقبل موعد وصوله بساعات لفت نظر الكاهن تغييرا فيما اعتاد عليه فوجد النمل يقف متراصا فى صفوف بجانب صخرة عالية ملاصقة لبيتهم و يقف عليه احد النمل وكأنه يخطب فيهم ، وكأنه يحثهم على شىء ما ، فشعر الكاهن ان هناك حدثا جللا يجب ألا يفوته مشاهدته
فوجد النمل يتفرق بعد ان خطب فيهم النمله التى خلع عليها الكاهن لقب القائد لشعورة بأهمية ما يفعله
النمل يتحرك فى مجموعات منهم من يجمع التراب اكوام ومنهم من يجمع اغصان الشجر الضعيفة والأوراق البالية ومنهم من ذهب بعيدا
وانتظر الكاهن وهو متشوق لاكتمال المشهد وما تفعله هذه الكائنات الضعيفة
وبعد وقت يسير وجد الكاهن النمل قد بنى بأكوام التراب وأغصان الشجر الضعيفة مصعدا من الارض إلى اعلى الصخرة ووجد المجموعة التى ذهبت بعيدا عائدة بحجر كبير يشبه الكرة ويدفعونه رغم ضعفهم بقوة عزيمتهم التى لا تقهر وفى دقائق معدودة كان الحجر أعلى الصخرة ووقفت مجموعة كبيرة خلفه ثم جاءت مجموعة اخرى تغطيها بأوراق الشجر البالية واختفى باقى النمل بعيدا عن الانظار
وفجأة ياتى الطائر اللص ويصدر اصواتا قبيحة عالية فى فجاجة وغطرسة ويهبط كعادته على بيت النمل لينبش فيه بمنقاره ومخالبه وفجأة تصدر الاشارة من القائد فيدفع النمل الحجر ليهوى على رأس الطائر اللص فيخر صريعا ويحتفل النمل بحركات جنونية غير منتظمة وكأنهم يهنئون ويقبلون بعضهم على النصر العظيم
ولم يدم فرحهم إلا لحظات ليعودوا ليبنوا بيتهم من جديد ويضعوا بجواره جثمان الطائر اللص ليكون عبرة وعظة لغيره .
فى هذا اليوم عاش الكاهن يوما من أجمل ايام حياته وكأنه هو الذى انتصر وجلس ليلا يتدبر ويتفكر فيما رآه
وفجأة
اتخذ الكاهن قرارا بالعودة دياره بعد ان تعلم الحكمة من اصغر المخلوقات وأضعفها ، لملم الكاهن اشياءه واتجه صوب وطنه ومع شروق الشمس كان الكاهن يسجد ويقبل تراب وطنه وسار وقدماه تسبقه ولكن ليس الى المعبد
اتجه الكاهن صوب الشعب الطيب الذى يبادله الحب ، ذهب الكاهن ليعيش وسط من يشبهونه من البشر ليعيد صياغة التاريخ
علم الكاهن ان اضعف المخلوقات بقليل من الفكر والحكمة والحب يستطيع ان يحول مجريات الامور التى اعتادها الناس
علم الكاهن ان خوف الشعب من الكهنة ليس له جذور فى النفوس انما هو صنيعة كهنة المعبد بسحرهم ، فشعبه الذى خرج هو نفسه من بينهم شعبا حكيما قويا يمتاز بالذكاء والدهاء والفراسة ولكن بالخوف والرعب نسى الشعب ما كان عليه ، وكان كل ما عليه ان يفعله ان يعيد توجيه الدفة الى مجراها الصحيح ، ان يذكر الشعب بأصلهم ومنبتهم
عاد الكاهن المنبوذ ليرفع عن صدور شعبه الخوف ويحول كل الشعب الى كهنة ليهدموا المعبد على رأس كهنته وينعموا بالحرية " وينثروها " على الشعوب المجاورة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق