ندوب في ذاكرة وطن
مقارنة بسيطة بين ما قرأته في رواية "لمن تقرع الأجراس" وبين الطبول التي تقرع في البلاد ابتهاجا؛ جعلتني في حيرة من أمري. لكن أمي التسعينية قطعت الشك باليقين عندما أخبرتني أن كل هذه الطبول مصنوعة من جلودنا، مشدودة بإتقان ومهارة شديدين؛ ألم تسمعوا أنينها عند كل ضربة تصدر عنها؟ خاصة في مناسبات الفرح والحزن؛ فالبلاد ارتقت إلى درجة أن الحاكم اكتشف مؤخرا أن استخدام الرصاص، فيه هدر للمال العام؛ فاستبدله بالطبول، وسخر لهذا الأمر صناعا مهرة؛ فحصل على شهادة "الأيزو" في الجودة. اليوم سمعت صراخ "أحمد" عند أول ضربة طبل، يبدو أنها كانت قوية جدا، ثم عويل" إيلان" الصغير وهو يتخبط بين الأمواج، واستغاثة "سليم "عندما خطف من أمام منزله إلى جهة مجهولة، وأيضا نحيب"رولى" عندما انقضوا عليها بهمجية ووحشية وأفرغوا قاذوراتهم في أحشائها.
تخيلوا معي لو أن الطبول باحت بسرها؛ ستكون مادة دسمة للصحفيين؛ فحكايا الموت متنوعة. كأني أراهم قد شحذوا أقلامهم للحظة لا بد قادمة، وربضوا خلف آلات التصوير متحينين الفرصة لتسجيل ما سيحدث. في ليلة وضحاها، أعلنت محطات التلفزة عن تدشين لحديقة عامة وسط المدينة على أنقاض بيوت صارت أثرا بعد عين هي وأصحابها. التم الناس من كل حدب وصوب ليشهدوا هذا الحدث الجلل. بدؤوا بقرع الطبول بوتيرة متصاعدة إلى أن بلغت أقصاها في لحظة قص الشريط، ثم خبت فجأة، وأنا من مكاني أراقب ما يحدث مذهولا من غرابة الموقف؛ فقد امتلأ المكان بأطياف وردية ترقص وتغني: "نحن ضحايا مجازركم" ؛ أخيرا أفشت الطبول سر صراخها بعد طول انتظار. كان هذا آخر ما سمعته؛ فقد دوى انفجار هائل أزال كل أثر، ولكنني كصحفي مغمور حظيت بفرصة تدوين ما تقرؤونه الآن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق