الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

الكاتب السوري الأستاذ / ناصر ناصر ..... المركز الثاني في القصة القصيرة

أنت أبي


الثياب الممزقة واللحى الطويلة ... الوجوه التي لوحتها الشمس، أشياء ظنت أنها قد نسيتها منذ سنين طويلة، إنهم الجنود العائدون من القتال، هل رأيتم أبي؟ قالت لهم وهي تهزهم من أكتافهم هزا عنيفاً ثم أضافت: شعره أشقر جميل ولحيته طويلة، ذهب للقتال معكم، هل رأيتم أبي؟ هل هو مع الشهداء؟ هل هو بين الجرحى ؟ أخشى أن يكون مع اﻷسرى ؟ ظلوا صامتين، لم يلتفتوا إليها، كانت مجرد صوت قادم من زمن بعيد، كائن ليس من لحم ودم، خيال غريب يتحرك أمامهم و يعترض طريقهم، في الشارع اﻵخر رأت مجموعة من العمال يمدون جسراً حديديا بين طرفي المدينة، سألتهم ومطارقهم الثقيلة تهوي على الحديد بقوة : هل رأيتم أبي؟ عضلاته مفتولة مثل عضلاتكم ... اتصل بي منذ قليل وطلب مني أن أوافيه إلى هذا المكان، هزوا رؤوسهم ... أشاروا إلى آذانهم ... أنهم ﻻ يسمعونها، وضعت كفيها على طرفي فمها لتزيد من قوة صوتها : أبي ... أبي , تركتهم ومشت نحو الميناء وهناك سألت البحارة العائدين من أعالي البحار، أحدهم قال لها : ما اسم أبيك ؟ كم يبلغ من العمر؟ ما لون بشرته وعينيه ؟ هل من علامة مميزة فيه ؟ راحت تتحدث -مغمضة العينين -عنه وتضحك،لم تعرف متى تركها وتابع طريقه، ظلت تحرك رأسها و يديها و شفتيها وتستخدم تعابير وجهها، وقفت على رؤوس أصابعها و رفعت ذراعها اﻷيمن إلى اﻷعلى مشيرة أنه طويل ... طويل،سألت عنه في الجامعات و المعاهد العلمية، سألت الخارجين من المساجد والكنائس-كان تقيا ... نقيا ... صافياً, سألت عمال اﻹطفاء و البناء و النجارين و الحدادين، سألت غيمة كانت تعبر في السماء فوقها، سألت طائرا يحط على غصن عال، سألت نسمة خريفية باردة، سألت أوراق اﻷشجار الصفراء في الشارع : هل رأيتم أبي؟ في الحديقة العامة و على مقعد خشبي عتيق اعتادت أن تجلس عليه كل مساء ... لونه أزرق،وضعت رأسها بين كفيها و راحت تنتحب ... لم يشاهد أحد منكم أبي ثم أغمضت عينيها و خاطبت صاحب الصوت الذي يهمس في أذنيها دائماً : أنت أبي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق