الوشاح
الذي كان يرفرف أسمى العمود يعلم بأنّه سيعود إليه من حُضن ذاك الطّفل ليرفرف به
مرة أخرى .
خرج على
عُجالة من منزله , تحسّس بهو جيبه , بضع جنيهات كافية لإيصاله المسرح , أخرج هاتفه
وتحدث مع صاحب الحفل :
- أنا
جاهزٌ يا سيّدي , لقد ارتديت زيّ , هل جهّزت أنت لي المبلغ ؟.
-
المبلغ سيصلك فور وصولك المكان , أرجوك تعجّل قليلا" , فالحفل أوشك على
البدء.
وهو
مُتجها" صوب المسرح زار إحدى الدكاكين التي تبيع الحلوى , مسح بعينيه أصنافها
, تمعّن وهو يقترب من عرض حلوى الجوزة مُهملة مُقلتاه حلوى اللكوم والمُكسّرات
الشّامية , لم يكترث لنجيخ معدته المُطّربة , نفض البلاطة المُتكئة على سطح كتفه
وهمّ يُحادث صاحب المحل الشاب بأنفة :
- بكم
حلوى الجوزة ؟
-
الحلوى تُباع بالوزن , فكيلو الجوزة لدينا بثلاثين جُنيها" .
شرد
بعقله للحظات وهمهم بصوت مُتقطع بضعة أرقام , وكأنّه أجرى عملية حسابية , أرجع
عينيه مُقابلا" وجه ذاك الشاب قائلا" :
- اليوم
لدينا تغطية , وأريد عدد خمسة كيلو , والحساب أكتبه ....
وقبل أن
يُكمل جملته ربت على كتفيه بالسوط الذي يحمله وكأنّه نسي رُتبته ثم أكمل وصوته بدأ
يحتد :
- هل
تعلم هذه الرُّتبة يا مواطن ؟
صمت
الشاب قابضا" عينيه إلى الداخل قلقا" , ثم قال وهو يضع قاطعة الحلوى
الحادّة :
- لا .
لا أعلمها .
أخرج من
حلقه صوت خجخجة وكأنّ الكلمات تكسّرت بنافذة أسنانه , بعدها صرخ بصوتٍ عال :
- أنا
حضرة صول , هل تعلم بأنّ رئيس الدّولة يتلفّظ رُتبتي مسبوقة بكلمة ( حضرة) فقط يا
أحمق دوِّن هذه الأشياء , والحساب سيأتيك فيما بعد .
بدأ
الشاب مُنزعجا" قليلا" , وقام بتجهيز الطلبية , فلم يُريد أن يدخل في
شجار خاسر , مدّها له قائلا" :
- متى
ستأتي بالحساب .
قال له
وهو يُنزل القبّعة بزهو :
-
سيأتيك الحساب بعد ساعة واحدة فقط من الآن .
وزاد
حديثُه مُعقّبا" :
- إن لم
تأتيك ماذا ستفعل ؟ .
ودون أن
ينتظر رد الشّاب أنفق عليه بضحكة هزت جدران المحل , وقال مُتمتما" جراء
إفراطه بالضّحك :
- هل
رأيت أو سمعت بشرطي يأكل مالا" حراما" ؟ .
خرج من
المحل فرحاً تاركاً الدّهشة مطبوعة على مُقلتي ذاك الشاب ، وعدّل من هندامه وهو
يمضي نشطاً ، ثم وقف لبرهة مُحدِّثاً نفسه ، كيف يعيشون هؤلاء الأغبياء ، فعضّ على
ناجذيه بقوّة وواصل مسيره .
وفي
الطّريق زار صديقا" له يمتلك كُشكاً صغير قُرب المسرح , حيث ترك عنده الحلوى
.
وصل
المسرح مُتأبّطا" سوطا" بلاستيكيا" صلد . وقف بباب المسرح
مُنظما" حركة المارة , داوم مُهمّته بتفانٍ , لم يكترث بمن يُغنّي , فكان يرى
أن الموسيقى حرام مرتكزا" على قول مُدير القسم , ينظر للوجوه القادمة إلى
الحفل بإمتعاض وخصوصا" تلك الفئة الّتي تشترك معه بالعمر .
وبُعيد
نهاية السّهرة الغنائية , هرب صاحب الحفل دون أن يدفع له أجرته , رجع الشرطي
غاضبا" وخائبا" إلى القسم لمدوامة عمله المعتاد . فهو يعمل ليلا" ,
يرى أن النهار عدوه . فالليل مُخيف في هذه البلدة , والخوف يعني انتصاره .
وفي ذات
الليل خرجت حملة من القسم لتنظيف المدينة من داء التسوّل والمتشرّدين , وصلت
العربة إلى أوكارهم , حيث نزل الشرطي ووجد أحد الصبايا غاطا" في نوم عميق .
ما أغضب الشرطي أنّ الطفل مُتغطيٍ بوشاح يحمل رمز المدينة .
فقام
بركل الطفل وضربه , وقام بنزع الوشاح من جسده , وإستطاع الطفل أن يفلت من يده
عاريا" . فحمل الشرطي الرمز وهو يضحك ساخرا" من ذاك الطفل .
صعد
الشرطي إحدى العواميد آمرا" أحد الجنود أن يلتقط له صورة , حيث قام بوضع
العلم بمكانه السّابق راسما" بمحيّاه ضحكة ورافعا" إصبعيه شارة انتصار .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق