الجمعة، 27 مايو 2016

المركز الرابع قصة انتصار كاذب ..... للكاتب الرائع الأستاذ / محمود رمضان




الوشاح الذي كان يرفرف أسمى العمود يعلم بأنّه سيعود إليه من حُضن ذاك الطّفل ليرفرف به مرة أخرى .
خرج على عُجالة من منزله , تحسّس بهو جيبه , بضع جنيهات كافية لإيصاله المسرح , أخرج هاتفه وتحدث مع صاحب الحفل :
- أنا جاهزٌ يا سيّدي , لقد ارتديت زيّ , هل جهّزت أنت لي المبلغ ؟.
- المبلغ سيصلك فور وصولك المكان , أرجوك تعجّل قليلا" , فالحفل أوشك على البدء.
وهو مُتجها" صوب المسرح زار إحدى الدكاكين التي تبيع الحلوى , مسح بعينيه أصنافها , تمعّن وهو يقترب من عرض حلوى الجوزة مُهملة مُقلتاه حلوى اللكوم والمُكسّرات الشّامية , لم يكترث لنجيخ معدته المُطّربة , نفض البلاطة المُتكئة على سطح كتفه وهمّ يُحادث صاحب المحل الشاب بأنفة :
- بكم حلوى الجوزة ؟
- الحلوى تُباع بالوزن , فكيلو الجوزة لدينا بثلاثين جُنيها" .
شرد بعقله للحظات وهمهم بصوت مُتقطع بضعة أرقام , وكأنّه أجرى عملية حسابية , أرجع عينيه مُقابلا" وجه ذاك الشاب قائلا" :
- اليوم لدينا تغطية , وأريد عدد خمسة كيلو , والحساب أكتبه ....
وقبل أن يُكمل جملته ربت على كتفيه بالسوط الذي يحمله وكأنّه نسي رُتبته ثم أكمل وصوته بدأ يحتد :
- هل تعلم هذه الرُّتبة يا مواطن ؟
صمت الشاب قابضا" عينيه إلى الداخل قلقا" , ثم قال وهو يضع قاطعة الحلوى الحادّة :
- لا . لا أعلمها .
أخرج من حلقه صوت خجخجة وكأنّ الكلمات تكسّرت بنافذة أسنانه , بعدها صرخ بصوتٍ عال :
- أنا حضرة صول , هل تعلم بأنّ رئيس الدّولة يتلفّظ رُتبتي مسبوقة بكلمة ( حضرة) فقط يا أحمق دوِّن هذه الأشياء , والحساب سيأتيك فيما بعد .
بدأ الشاب مُنزعجا" قليلا" , وقام بتجهيز الطلبية , فلم يُريد أن يدخل في شجار خاسر , مدّها له قائلا" :
- متى ستأتي بالحساب .
قال له وهو يُنزل القبّعة بزهو :
- سيأتيك الحساب بعد ساعة واحدة فقط من الآن .
وزاد حديثُه مُعقّبا" :
- إن لم تأتيك ماذا ستفعل ؟ .
ودون أن ينتظر رد الشّاب أنفق عليه بضحكة هزت جدران المحل , وقال مُتمتما" جراء إفراطه بالضّحك :
- هل رأيت أو سمعت بشرطي يأكل مالا" حراما" ؟ .
خرج من المحل فرحاً تاركاً الدّهشة مطبوعة على مُقلتي ذاك الشاب ، وعدّل من هندامه وهو يمضي نشطاً ، ثم وقف لبرهة مُحدِّثاً نفسه ، كيف يعيشون هؤلاء الأغبياء ، فعضّ على ناجذيه بقوّة وواصل مسيره .
وفي الطّريق زار صديقا" له يمتلك كُشكاً صغير قُرب المسرح , حيث ترك عنده الحلوى .
وصل المسرح مُتأبّطا" سوطا" بلاستيكيا" صلد . وقف بباب المسرح مُنظما" حركة المارة , داوم مُهمّته بتفانٍ , لم يكترث بمن يُغنّي , فكان يرى أن الموسيقى حرام مرتكزا" على قول مُدير القسم , ينظر للوجوه القادمة إلى الحفل بإمتعاض وخصوصا" تلك الفئة الّتي تشترك معه بالعمر .
وبُعيد نهاية السّهرة الغنائية , هرب صاحب الحفل دون أن يدفع له أجرته , رجع الشرطي غاضبا" وخائبا" إلى القسم لمدوامة عمله المعتاد . فهو يعمل ليلا" , يرى أن النهار عدوه . فالليل مُخيف في هذه البلدة , والخوف يعني انتصاره .
وفي ذات الليل خرجت حملة من القسم لتنظيف المدينة من داء التسوّل والمتشرّدين , وصلت العربة إلى أوكارهم , حيث نزل الشرطي ووجد أحد الصبايا غاطا" في نوم عميق . ما أغضب الشرطي أنّ الطفل مُتغطيٍ بوشاح يحمل رمز المدينة .
فقام بركل الطفل وضربه , وقام بنزع الوشاح من جسده , وإستطاع الطفل أن يفلت من يده عاريا" . فحمل الشرطي الرمز وهو يضحك ساخرا" من ذاك الطفل .
صعد الشرطي إحدى العواميد آمرا" أحد الجنود أن يلتقط له صورة , حيث قام بوضع العلم بمكانه السّابق راسما" بمحيّاه ضحكة ورافعا" إصبعيه شارة انتصار .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق